الرسائل الأربع( قواعد أصولية وفقهية) - تقريرات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٩٤ - دور الحاكم في رفع التزاحم بين الأحكام الأوّليّة
و من جانب إنّ النّاس مسلّطون على أموالهم يتقلّبون فيها كيفما شاءوا، فإذا كان هناك تزاحم بين الحكمين الواقعيين، كما في احتكار المحتكر أيّام الغلاء أو إجحاف أصحاب الحرف و الصّنعة و غيرهم، فللحاكم الإسلامي- حسب الولاية الإلهيّة- الإمعان و الدّقة و الاستشارة و المشورة في حلّ الأزمة الاجتماعية حتّى يتبيّن له أنّ المقام من صغريات أيّ حكم من الحكمين فلو لم تحلّ العقد بالوعظ و النصيحة، فآخر الدّواء الكيّ، أي: بفتح المخازن و بيع ما احتكر بقيمة عادلة و تسعير الأجناس و غير ذلك.
الرابع: لا شكّ أنّ الناس أحرار في تجاراتهم مع الشركات الداخلية و الخارجية، إلّا أنّ إجراء ذلك، إن كان موجباً لخلل في النظام الاقتصاديّ أو ضعف في البنية الماليّة للمسلمين، فللحاكم تقديم أهمّ الحكمين على الآخر حسب ما يرى من المصالح.
الخامس: لو رأى الحاكمُ أنّ بيع العنب إلى جماعة لا يستعملونه إلّا لصنع الخمر و توزيعه بالخفاء أورث فساداً عند بعض أفراد المجتمع و انحلالًا في شخصيّتهم، فله أن يمنع من بيع العنب إلى هؤلاء.
إلى غير ذلك من المواضع الكثيرة التي لا يمكن للفقيه المفتي أو الحاكم غضّ النّظر عن الظروف المحيطة به، حتى يتضح له أنّ المجال مناسب لتقديم أي الحكمين على الآخر و تشخيص الصغرى كما لا يخفى.
هذا كلّه حول مدخلية الزمان و المكان في الاجتهاد في مجالس الإفتاء و الحكم، و أمّا سائر ما يرجع إلى ولاية الفقيه فنتركه إلى محلّه، و ليس المقصود في المقام إلّا أمراً واحداً و هو كونُ الزمان و المكان مؤثّرين في المقامين فقط.