الرسائل الأربع( قواعد أصولية وفقهية) - تقريرات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١٥٣ - ما هو مقتضى الأدلّة الاجتهادية
الثاني: إمّا أنّهم يتسامحون في المراجعة إلى المفضول في أغراضهم العاديّة دون مهامّ الأُمور و أعاليها، و مثله لا يكون دليلًا على المسامحة في الأُمور الدينيّة التي لا يعلوها غرض و هدف.
هذا و قد جاءت الإشارة إلى سيرة العقلاء في بعض الرّوايات فعن صحيح عيص بن القاسم قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: «عليكم بتقوى اللّه وحده لا شريك له، و انظروا لأنفسكم، فو الله إنّ الرّجل ليكون له الغنم فيها الرّاعي، فإذا وجد رجلًا هو أعلم بغنمه من الّذي هو فيها، يخرجه و يجيء بذلك الرّجل الّذي هو أعلم بغنمه من الّذي كان فيها ...» ( [١]).
هذا كلّه إذا لم تكن فتوى غير الأعلم مطابقة للاحتياط، و فتوى الأعلم مخالفة له، كما إذا أفتى الأوّل بنجاسة الغسالة و الآخر بطهارتها، أو أفتى الأوّل بوجوب التسبيحات الأربعة ثلاثاً، و أفتى الفاضل بوجوب الواحدة، إذ حينئذ جاز ترك قول الفاضل و الأخذ برأي المفضول، إلّا أنّ هذا في الحقيقة عمل بالاحتياط الموجود في فتوى المفضول دون الفاضل.
هذا هو تحليل المسألة و بيان دليلها، و ليس وراء ما ذكرنا شيء يعتمد عليه في إثبات وجوب الرّجوع إلى الفاضل سوى وجوه ضعيفة ذكرها الشيخ (رضي الله عنه) في رسالته و هي:
١- الإجماع على وجوب الرّجوع إلى الفاضل كما وقفت عليه من خلال كلماتهم، قال الشيخ الأنصاريّ (رضي الله عنه):
«و لا يجوز الاجتراء في الإفتاء في مثل هذه المسألة التي بمنزلة الإفتاء في جميع الفقه، بخلاف المنقول من الأصحاب، كيف و لا نرى منهم الاختلاف مع وجود ذلك فيما هو أهون من المقام كما لا يخفى على من تتبّع فتاواهم، و لا وجه للوسوسة
[١] وسائل الشّيعة: ١١/ ٣٥ ح ١، الباب ١٣ من أبواب جهاد العدو و ما يناسبه.