الرسائل الأربع( قواعد أصولية وفقهية) - تقريرات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٨٦ - الاجتهاد و الأزمنة و الأمكنة
اتسع نطاقه و ضرب بجرانه ( [١])، فامرؤٌ و ما اختار» ( [٢]).
و روي نظير ذلك في كلام الإمام الصادق (عليه السلام) في وجوب دفع الخمس إليهم، روى يونس بن يعقوب قال: كنت عند أبي عبد اللّه (عليه السلام) فدخل عليه رجل من القماطين، فقال: جعلت فداك تقع في أيدينا الأموال و الأرباح و تجارات نعلم أنّ حقّك فيها ثابت و إنّا عن ذلك مقصّرون. فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام): «ما أنصفناكم إن كلّفناكم، ذلك اليوم» ( [٣]).
و في رواية عن عليّ بن مهزيار عن أبي جعفر الثاني (عليه السلام) ما يدلّ على إيجاب الخمس على الشيعة سنة عشرين و مائتين فقط ( [٤]).
إذا وقفت على ما ذكرنا، فاعلم أنّ تأثير الأزمنة و الأمكنة في الاجتهاد و الاستنباط يجب أن يفسّر على وجه لا يصادم الأصول المسلّمة من كونه تشريعاً عالمياً خاتميّاً و أنّه ليس لغيره سبحانه حقّ التشريع، و في الوقت نفسه مرونة الأحكام مع جميع الأزمنة و الأمكنة، و أنّها لا تصادم أيّة حضارة من الحضارات الإنسانية و إليك بيانه على ضوء تلك الأُصول:
إنّ الحكم الشرعيّ ربّما يكون مكتنفاً بخصوصيّات تعدّ مقوّمة للحكم الشرعي فيتغير بتغيّرها و يتبدّل بتبدّلها، و لا يعني ذلك رفض الحكم الإلهيّ أو إنكار عالمية التشريع، و أبديّته، بل بمعنى تغيّر الحكم بتغيّر الموضوع و الجهات المقوّمة له عند نفس الشارع، فكما أنّ الحكم بطهارة الكلب مع صيرورته ملحاً أو تراباً لا يعدّ خلافاً له، هكذا تغيّر الحكم بتغيّر الخصوصيّات الأُخر لا يعدّ خلافاً له.
[١] جران: مقدّم عنق البعير، يضرب به على الأرض إذا استراح و تمكّن.
[٢] نهج البلاغة- قسم الحكم- رقم ١٧.
[٣] الوسائل: ٦/ ٣٨٠ ح ٦، الباب ٤ من أبواب الأنفال.
[٤] المصدر نفسه: ٦/ ٣٤٩- ٣٥٠ ح ٥، الباب ٨ من أبواب ما يجب فيه الخمس.