الرسائل الأربع( قواعد أصولية وفقهية) - تقريرات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٢٥ - ما هو الدّليل على نفوذ حكم المجتهد المطلق؟
ما هو الدّليل على نفوذ حكم المجتهد المطلق؟
اعلم بأنّ الشريعة الإسلامية الغرّاء، تشريع كامل لم يترك شيئاً ممّا له ارتباط بحياة البشر عاجلًا و آجلًا. فقد عالج تلك النّاحية الحيويّة بنصب النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و الأئمة المعصومين (عليهم السلام) حكاماً و قضاة، و اللّازم على الأُمّة الرّجوع إليهم (عليهم السلام) فيما اختلفوا فيه حكماً كان أو موضوعاً، و ليس لأحد القضاء بين النّاس إلّا بإذن منه سبحانه، و توضيحه:
إنّ القضاء بين الناس لمّا كان ملازماً للتصرّف في أموالهم و أنفسهم، احتاج التلبّسُ به إلى ولاية حقيقيّة يمارس في ظلّها ذلك التصرّف، و ليست هي إلّا للّه سبحانه، فلا ولاية لأحد على أحد و لا ينفذ قول أحد و رأيه في حقّ أحد، إنمّا الولاية للّه سبحانه، قال تعالى: (إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَ هُوَ خَيْرُ الْفاصِلِينَ) (الأنعام- ٥٧). و قال سبحانه: (إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ...) (يوسف- ٤٠)، إلى غير ذلك من الآيات الحاصرة حقّ الحكومة في اللّه سبحانه وحده لانحصار الولاية الحقيقيّة فيه.
ثمّ إنّ من لوازم القضاء كون الممارس له، مجانساً لمن يقضي فيهم، و لأجل ذلك نصب سبحانه أنبياءه ( [١]) و أولياءه (عليهم السلام) قضاةً للنّاس يحكمون فيهم بما أنزل اللّه سبحانه و لا يحيدون عنه قيد شعرة.
قال سبحانه: (يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَ لا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ...) (ص- ٢٦). و قال سبحانه في حقّ نبيّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): (وَ ما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَ لَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا
[١] قال تعالى: (إنّا أنزَلْنا التّوراةَ فِيها هُدىً وَ نُورٌ يحكُمُ بها النّبيُّونَ الّذينَ أسْلَمُوا لِلّذِينَ هَادُوا و الرّبّانيُّونَ و الأحْبارُ بِما اسْتُحْفِظُوا مِن كِتابِ اللّهِ وَ كانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاء ...) (المائدة- ٤٤).