الرسائل الأربع( قواعد أصولية وفقهية) - تقريرات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١٧٨ - الثالث التمسّك بالاستصحاب
حين الإفتاء بأنّ هذا حكم اللّه يجعل الفتوى حجّة دائماً و إن مات و ذهب جزمه و ظنّه.
و بالجملة: انّ ظنّه أو جزمه في حال الإخبار و الإفتاء من قبيل الواسطة في الثبوت ( [١]) لا العروض، فلا يتوقّف ثبوت الحجيّة أو جواز العمل به، على وجود الواسطة دائماً، و إنّما يكفي وجودها آناً ما، في إضفاء وصف الحجيّة عليه و جواز العمل به.
و أورد المحقّق الخراساني (رضي الله عنه) على الاستصحاب بأنّه لا مجال له و قال:
«لعدم بقاء موضوعه عرفاً، لعدم بقاء الرّأي معه، فإنّه متقوّم بالحياة، بنظر العرف، و إن لم يكن كذلك واقعاً، حيث إنّ الموت عند أهله موجب لانعدام الميّت و رأيه، و لا ينافي ذلك صحّة استصحاب بعض أحكام حال حياته، كطهارته و نجاسته و جواز نظر زوجته إليه، فإنّ ذلك إنّما يكون فيما لا يتقوّم بحياته عرفاً بحسبان بقائه ببدنه الباقي بعد موته، و إن احتمل أن يكون للحياة دخل في عروضه واقعاً، و بقاء الرّأي لا بدَّ منه في جواز التَّقليد قطعاً، و لذا لا يجوز التَّقليد فيما إذا تبدّل الرّأي أو ارتفع، لمرض أو هرم إجماعاً» ( [٢]).
يلاحظ عليه: أنّه عبارة أُخرى عمّا ذكره الشيخ (رضي الله عنه) و الاختلاف في التعبير عن موضوع المستصحب، فعبر عنه الشيخ (رضي الله عنه) بالظنّ و المحقّق الخراساني (رضي الله عنه) بالرّأي، و يرد عليه ما أوردناه على كلام الشيخ (رضي الله عنه) و أنّ العبرة بالرأي لكونه طريقاً إلى الواقع، و لا يشترط في طريقيّته كونه موجوداً و باقياً بل يكفي الوجود في زمن ما،
[١] الواسطة الثبوتيّة و هي العلّة لوجود شيء، كعلّية النّار للحرارة و الماء للبرودة. و يقابلها الواسطة الإثباتيّة و العروضيّة، و الأُولى هي العلّة للعلم بوجود شيء كعلّية الدّخان للعلم بوجود النّار. و الثّانية هي الواسطة في الحمل الموجبة لصحّة إسناد عرض إلى غير معروضة مجازاً كإسناد الحركة إلى الجالس في السفينة.
[٢] كفاية الأُصول: ٢/ ٤٧٧، تحقيق مؤسسة آل البيت (عليهم السلام).