الرسائل الأربع( قواعد أصولية وفقهية) - تقريرات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٥٦ - قضاء المقلِّد عند الاضطرار
فإن قلت: إنّ الرّجوع إلى المحاكم العاديّة الدوليّة التي لا تحكم على طبق و وفق الكتاب و السنّة أبداً، هو حافظ للنظام و مانع من اختلاله، كما كانت الحال على ذلك قبل الثورة الإسلامية في إيران.
قلت: إذا دار الأمر في حفظ النّظام بين الرّجوع إلى المحاكم الدولية و بين النزول عند حكم المقلِّد العارف بالأحكام الإسلامية عن تقليد، فإنّ الثاني متعيّن، لأنّ حرمة الأوّل مطلقة متأكدة، قال اللّه سبحانه: (أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَ ما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَ قَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَ يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيداً) (النساء- ٦٠). و لأجل ذلك نقول: لا مناص في حفظ النّظام من اختيار قضاء المقلِّد و تقديمه على المحاكم الدّولية بل وجودها و عدمها سواء، فعلى الفقيه نصب العامّي العارف بالقضاء، لرفع الخصومات بين الناس من غير فرق بين كون المورد من قبيل الشبهات الموضوعيّة أو الحكميّة، و هي من القضايا التي قياساتها معها، فإنّ ترك المرافعة و القضاء بين الناس يوجب اختلال النّظام و تضييع الحقوق و الأموال، و إيقاف الأمر إلى التمكّن من المجتهد النّائي أمر مشكل، فعليه، لو كانت الشبهة موضوعيّة ( [١])، يعمل بقواعد «المدّعي و المنكر» و نحوها، و لو كانت الشّبهة حكمية كمنجّزات المريض و ثبوت الشفعة، إذا كان الشّركاء أزيد من ثلاثة، و تحريم عشر رضعات و أمثالها، فنقول: بما أنّ القضاء فيها لا يحتاج إلى إقامة بيّنة و جرحها و تعديلها، يكفي العثور على رأي المجتهد، و الحكم على وفقه.
و مع ذلك يجب على العامّي العارف، مراعاة أمور من باب الاحتياط و الأخذ بالقدر المتيقّن، للتأكد من إصابة الحقّ، و عليه تجنّب الشّبهات و التشاور في
[١] قيل: لا يقبح لزوم تعطيل المال في بعض المسائل الخلافيّة فيما لو لم يكن مستداماً كما لو تمكّن من الاستفتاء من المجتهد و لو في عرض سنة أو سنتين، فلا ضير فيه.