الرسائل الأربع( قواعد أصولية وفقهية) - تقريرات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٥٤ - المقام الثاني في نصب المجتهد المقلّد للقضاء
و إلّا يلزم كثرة التخصيص المستهجنة ( [١])، إذ للنبيّ و الأئمة (عليهم السلام) من بعده، شئون كثيرة تختصّ بهم و لا تتجاوز غيرهم، فلا عموم للمنزلة و الولاية. بل يقتصر على الأمور المعهودة و هي القضاء بين النّاس و بيان الحلال و الحرام و لزوم اتّباع النّاس لهم.
ثمّ إنّ القائلين بعموم الولاية، أجابوا عن هذه الإشكالات و عمّا ذكره الشّيخ في المتاجر، و قد ألّف السيّد الأستاذ رسالة خاصّة في هذا الموضوع، و قد أتى فيها بتمام الأدلّة و أشبع الكلام في ما استظهر من الدّلالة، و نحن نحيل القرّاء إليها، و المقام لا يسع لنقل ما قيل أو يمكن أن يقال في المسألة.
إلّا أنّ للسيّد الأُستاذ (رضي الله عنه) في خصوص المقام كلام و هو: إنّ المستفاد من قوله (عليه السلام): «فليرضوا به حَكَماً فإنّي قد جعلته عليكم حاكماً» هو جعل الحكومة مطلقاً للفقيه، و قد جعلهم الإمام حكّاماً على النّاس: و من المعلوم أنّ جعل القاضي من شئون الحاكم و السلطان في الإسلام، فجعل الحكومة للفقهاء مستلزم لجواز نصب القضاة، و الحكّام على النّاس شأنهم نصب الأمراء و القضاة و غيرهما ممّا تحتاج إليه الأُمّة كما كان الأمر كذلك في زمن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و الخلفاء الحقيقيّين و غيرهم.
فلو جاز نصب العاميّ لهم بما أنّهم حكّام، يجوز للمجتهد أيضاً لأجل تلك المنزلة ( [٢]).
يلاحظ عليه: ليس المراد من قوله (عليه السلام) «جعلته حاكماً» هو السّائس
[١] قيل: لو لم يبلغ كثرة التخصيص إلى حدّ الاستهجان، كان حينئذ سبباً لوهن العامّ بحيث لا تطمئن النفس في العمل بعمومه إلّا بعد الاطمئنان بعدم كون المورد من الأفراد الخارجيّة. و لذا في قاعدة- لا ضرر- و أشباهها كلاحرج و آيات القصاص، لا يعمل بعمومها لكثرة ما خرج عن تحتها، إلّا بعد مشاهدة عمل جملة من الأساطين بها.
[٢] رسالة الاجتهاد و التقليد- تهذيب الأُصول: ٢/ ٥٣٣ بتصرّف.