مصادر الفقه الاِسلامي ومنابعه - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٢٦ - ١٠ سعة آفاق دلالته
آفاق دلالته على مقاصده، غير انّ ثلّة من الفقهاء مرّوا على القرآن مروراً عابراً مع أنّه سبحانه يعرّف القرآن بقوله: "وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمينَ" . [١]
وعلى ضوء ذلك لا غنى للفقيه عن دراسة آيات الاَحكام دراسة معمّقة ثاقبة، ليجد فيها الجواب على أكثر المسائل المطروحة، ولا ينظر إليها نظرة عابرة.
وقد استدل أئمة أهل البيت (عليهم السلام) بالقرآن على كثير من الاَحكام التي غفل عنها فقهاء عصرهم، ونذكر هنا نموذجاً على ذلك:
قُدّم إلى المتوكل رجل نصراني فجر بامرأة مسلمة، فأراد أن يقيم عليه الحد، فأسلم، فقال يحيى بن أكثم: الاِيمان يمحو ما قبله، وقال بعضهم: يضرب ثلاثة حدود. فكتب المتوكل إلى الاِمام الهادي - عليه السّلام - يسأله، فلمّا قرأ الكتاب، كتب: «يضرب حتى يموت».فأنكر الفقهاء ذلك، فكتب إليه يسأله عن العلّة، فكتب: بسم اللّه الرّحمنِ الرَّحيم: "فَلَمّا رَأَوْا بَأْسَنا قالُوا آمَنّا بِاللّهِ وَحْدَه وَكَفَرْنا بِما كُنّا بِهِ مُشْرِكينَ* فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمّا رَأَوْا بَأْسَنا سُنَّت اللّهِ الّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبادِهِ وَخَسِرَ هُنالِكَ الْكافِرُونَ" [٢] فأمر به المتوكل، فضرب حتى مات. [٣]
تجد انّ الاِمام الهادي - عليه السّلام - استنبط حكم الموضوع من آية مباركة، لا
يذكرها الفقهاء في عداد آيات الاَحكام، غير انّ الاِمام لوقوفه على سعة دلالة
القرآن، استنبط حكم الموضوع من تلك الآية، وكم لها من نظير. ولو انّ القارىَ
الكريم جمع الروايات التي استشهد بها أئمّة أهل البيت على مقاصدهم استشهاداً
[١] النحل: ٨٩.
[٢] غافر: ٨٤ـ ٨٥.
[٣] ابن شهر آشوب: مناقب آل أبي طالب: ٤|٤٠٣ـ٤٠٥.