مصادر الفقه الاِسلامي ومنابعه - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٣٤٠ - مناقشة بعض الأمثلة الواردة في المقام
فيها بعوض كالبيع والاِجارة، وبغير عوض كالوقف والهبة إلاّ بإذنهم وإجازتهم.
الثانية: إذا لم يُحجر عليه فتصرفاته على قسمين: قسم لا يريد الفرار من أداء
الديون ولا يلازم حرمان الديّان، فيجوز له التصرّف بأمواله كيفما شاء، والقسم
الآخر يريد من الصلح أو الهبة الفرار من أداء الديون، فالحكم بصحة تصرفاتـه ـ
فيما إذا لم يرج حصول مال آخر له باكتساب ونحوه ـ مشكل. [١] وجهه: انّ
الحكم بلزوم تنفيذها حكم ضرري يلحق بـأصحاب الديون فلا يكون نافذاً،
أضف إلى ذلك انصراف عمومات الصلح والهبة وسائر العقود عن مثل هذه
العقود. وعلى ذلك فلا داعي لتبنّي تغير الحكم الشرعي بالعنصرين. بل الحكم
الشرعي السائر مع الزمان موجود في أصل الشرع بلا حاجة إلى التوصل بعنصر
«فساد الزمان».
٢. في أصل المذهب الحنفي انّ الغاصب لا يضمن قيمة منافع المغصوب
في مدة الغصب بل يضمن العين فقط إذا هلكت أو تعيَّبت، لاَنّ المنافع عندهم
ليست متقوّمة في ذاتها وإنّما تقوم بعقد الاِجارة ولا عقد في الغصب.
ولكن المتأخرين من فقهاء المذهب الحنفي نظروا تجرّوَ الناس على الغصب وضعف الوازع الديني في نفوسهم، فأفتوا بتضمين الغاصب أُجرة المثل عن منافع المغصوب إذا كان المغصوب مال وقف أو مال يتيم أو معداً للاستغلال على خلاف الاَصل القياسي في المذهب زجراً للناس عن العدوان لفساد الزمان.
ثمّ أضاف إليها في التعليقة بأنّ الاَئمّة الثلاثة ذهبوا إلى عكس ما ذهب إليه الاجتهاد الحنفي، فاعتبروا المنافع متقوّمة في ذاتها، كالاَعيان، وأوجبوا تضمين الغاصب أُجرة المثل عن المال المغصوب مدة الغصب، سواء استعرض الغاصب منافعه أو عطّلها ثمّ قال: وهذا الاجتهاد أوجه وأصلح. [٢]
[١] لاحظ وسيلة النجاة:١٣٣، كتاب الحجر، المسألة الاَُولى؛ وتحرير الوسيلة:٢|١٦.
[٢] مصطفى الزرقاء: المدخل الفقهي العام:٢، برقم ٥٤٤.