مصادر الفقه الاِسلامي ومنابعه - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٢٩٨ - وجود المخالفة بين الصحابة
حتى بعد سماع كلامه وقوله، فلو كان قول الصحابي نتاجاً للسماع لما جاز لآخر أن يخالفه ويقدّم رأيه على قوله، فإنّه يكون من قبيل تقديم الرأي على النصّ، وهذا يعرب على أنّ قول الصحابي لا يساوق سماعه عن النبي، بل أعمّمنه بكثير، وهذا هو الذي يسوغ وجود المخالفة بينهم، فمثلاً:
كان أبو بكر وعمر وعبد اللّه بن عباس يرون قول الرجل لامرأته: أنت عليّ حرام إيلاء ويميناً، وفي الوقت نفسه كان ابن مسعود يراه طلقة واحدة، وكان زيد ابن ثابت يراه طلاق ثلاث، فلم يقل أحد انّ قول الخليفتين حجّة على الآخرين.
وذلك لاَنّ كلّ واحد كان مجتهداً ومستنبطاً، وليس رأي المستنبط حجّة على الآخرين، فإذا كان هذا هو الحال بين الصحابة، فليكن كذلك بعدهم، فإنّ التكليف واحد، والتشريع فارد، فلا معنى أن يكون تكليف الصحابة مغايراً لتكليف التابعين لهم بإحسان، أي لا يكون رأي الصحابي حجّة على مثله، ولكنّه حجّة على التابعين.
اجتهاد الصحابي بين الردّوالقبول
كان اجتهاد الصحابة عند غيبتهم عن الرسول - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - حجّة لهم لعدم
تمكنهم من الرجوع إليه، فإذا ما رجعوا إليه، إمّا يقرّهم على ما رأوا، وإمّا أن يبيّن
لهم خطّ الصواب، فلم يكن اجتهاد الصحابي بما هو اجتهاد من مصادر التشريع،
وهو ظاهر لمن رجع إلى اجتهادات الصحابة وطرحها على الرسول وهو - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم -
بين مصوب لهم ومخطىَ، ولنذكر نموذجين: