مصادر الفقه الاِسلامي ومنابعه - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١٢٦ - النبي والاَُمور الدنيوية
كشف الحقائق ولمس الواقع، وهذه هي الاَُسس التي بنيت عليها الحضارات.
إنّما الكلام في أنّ سبيل النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - إلى هذه الاَُمور هل هو كسبيل سائر الناس يجتهد و يخطىَ أو أنّه لا يخطىَ في تلك الاَُمور بإلهام من اللّه سبحانه مسدِّد الخطى نحو الصواب؟
يقول أحد الكتاب المعاصرين: إنّ النبي يجتهد في شوَون الزراعة و الطب اجتهاد غيره يخطىَ ويصيب وليس شرعاً، ولذا قال في تأبير النخل: «أنتم أعلم بأُمور دنياكم».
ففي الصحيحين انّ النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - مرّبقوم يلقحونه، فقال: «لو لم تعملوا لصلح» قال: فخرج شيصاً [١]فمرّ بهم، فقال: «ما لنخلكم؟» قالوا: قلت كذا وكذا، قال: «أنتم أعلم بأُمور دنياكم».
أقول: إنّ النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - أفضل الخليقة وأفضل من أبينا آدم أبي البشر، وقد علّمه سبحانه الاَسماء قال سبحانه: "وَعَلَّمَ آدَمَ الاََسْماءَ كُلَّها ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقالَ أَنْبِئُوني بِأَسْماءِهوَلاءِ إِنْكُنْتُمْ صادِقين* قالُوا سُبحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلاّ ما عَلَّمْتَنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الحَكِيمُ* قالَ يا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ فَلَمّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمائِهِمْ قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَ الاََرْضِ وَأَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُون" . [٢]
قال صاحب المنار في تفسير تلك الآيات: أودع في نفسه علم جميع
الاَشياء من غير تحديد ولا تعيين، فالمراد من الاَسماء المسمّيات عبّر عن المدلول
بالدليل لشدّة الصلة بين المعنى واللفظ الموضوع له ـ إلى أن قال: ـ علّم اللّه آدم كلّ
[١] يقال: شيّصت النخلة: فسدت وحملت الشيص، وهو تمر رديء.
[٢] البقرة: ٣١ـ٣٣.