تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر - الصفحة ٩٠ - باب ذكر اهتمام أبي بكر الصّدّيق بفتح الشّام وحرصه عليه ومعرفة إنفاذه الأمراء بالجنود الكثيفة إليه
إنا لله وإنا إليه راجعون ، هلكتم والله إذا وهلكت. ثم قال : ويلكم انظروا وتأملوا. فجال الناس حتى وجدوا بقية منها. فقالوا : قد وجدنا بعضها. فكبّر وقال : قد أدركتم الرواء. وأمرهم فحفروا قريبا منها ، فكشفوا عن قليب كثير [١] الماء ، فتزوّد الناس منه. وقال رافع أما والله ما وردت قط إلّا مرة واحدة مع أبي وأنا غلام صغير.
فقال في هذا عن رافع أبو أحيحة القرشي :
| لله عينا رافع أنّى اهتدى | في مهمه مشتبه نحو سوى | |
| والعين منه قد تغشاها الندى [٢] | معصوبة كأنها ملأى ثرى | |
| فهو يرى بقلبه ما لا يرى | من الصوى تترى له أثر الصوى [٣] | |
| إذ النقا بعد النقا إذا سرى | وهو به خبرنا وما دنا | |
| وما رآه ليس بالقلب حسى | قلب حفيظ وفؤاد قد وعى | |
| فوّز من قراقر إلى سوى | والسير زعزاع [٤] فما فيه ونى | |
| خمس إذا ما سارها الجبس بكى | في اليوم يومين رواحا وسرى | |
| ما سارها من قبل إنسي أرى | هذا لعمري [٥] رافع هو الهدى |
ثم استقام لخالد الطريق ، وتواصلت به المياه حتى إذا أغار على مرج العذراوية [٦] على ناس من غسان فأصاب منهم. ثم مضى حتى نزل مع أبي عبيدة بن الجراح ويزيد بن أبي سفيان وشرحبيل بن حسنة على قناة بصرى ، فنزل معهم حتى صالحت بصرى على الجزية ، وكانت أول جزية وقعت بالشام في عهد أبي بكر.
وكتب أبو بكر إلى خالد بن الوليد : أما بعد فدع العراق وخلف أهله فيه ، الذين قدمت عليهم وهم فيه. ثم امض مخففا في أهل القوة من أصحابنا الذين قدموا معك العراق من اليمامة وصحبوك من الطريق ، وقدموا عليك من الحجاز حتى تأتي الشام فتلقى أبا عبيدة بن الجراح ومن معه من المسلمين. فإذا التقيتم فأنت أمير الجماعة والسلام عليك ورحمة الله.
[١] عن خع وبالأصل «كبير».
[٢] الأصل وخع وفي المطبوعة «القذى».
[٣] الصوى جمع صوة ، الأعلام من الحجارة تكون منصوبة في المفازة المجهولة ، يستدل بها على الطريق.
[٤] أي شديد.
[٥] بالأصل وخع : هذا لعمرو.
[٦] هو مرج عذراء ، بطرف الغوطة.