تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر - الصفحة ٧٨ - باب ذكر اهتمام أبي بكر الصّدّيق بفتح الشّام وحرصه عليه ومعرفة إنفاذه الأمراء بالجنود الكثيفة إليه
الأرباع خرج أبو بكر معه يوصيه ، ويزيد راكب [وأبو بكر يمشي ، فقال يزيد : يا خليفة رسول الله ، إما أن تركب وإما أن أنزل ، فقال : ما أنت بنازل وما أنا براكب][١] إني احتسب خطاي هذه في سبيل الله ، يا يزيد إنكم ستقدمون بلادا تؤتون بها بأصناف من الطعام ، فسمّوا الله على أولها وأحمدوه على آخرها ، وإنكم ستجدون أقواما قد حبسوا أنفسهم في هذه الصوامع فاتركوهم وما حبسوا له أنفسهم. وستجدون أقواما قد اتخذوا الشيطان على رءوسهم مقاعد ـ يعني الشمامسة ـ فاضربوا تلك الأعناق ، ولا تقتلوا كبيرا هرما ، ولا امرأة ولا وليدا ، ولا تخربوا عمرانا ، ولا تقطعوا شجرة إلّا لنفع ، ولا تعقرنّ بهيمة إلّا لنفع ، ولا تحرقن نخلا ولا تعزقنه ، ولا تغدر ، ولا تمثّل ولا تجبن ، ولا تغلل (وَلَيَنْصُرَنَّ اللهُ مَنْ يَنْصُرُهُ) [٢] (وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ) [٢] استودعك الله وأقرئك السلام ثم انصرف.
قال : ونا يونس ، عن ابن إسحاق ، حدثني محمد بن جعفر بن الزبير وقال لي : هل تدري لم فرّق أبو بكر وأمر بقتل الشمامسة ، ونهى عن قتل الرهبان فقلت : لا أراه إلّا لحبس هؤلاء أنفسهم ، فقال : أجل ، ولكن يلقون القتال فيقاتلون ، وإن الرهبان رأيهم أن لا يقاتلوا وقد قال الله تعالى : (وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ) [٣].
أخبرنا أبو غالب أحمد وأبو عبد الله يحيى ، ابنا الحسن بن البنا ، قالا : أنا أبو جعفر محمد بن أحمد بن المسلمة ، أنا أبو طاهر المخلّص ، أنا أحمد بن سليمان الطوسي ، نا الزبير بن بكار ، حدثني مصعب بن عبد الله قال : لما سار [٤] خالد بن
[١] ما بين معكوفتين سقط من الأصل واستدرك عن خع.
[٢] سورة الحج ، الآية : ٤٠ وفيها «لقوي» بدل «قوي» وقوله : (وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ) جزء من الآية ٢٥ من سورة الحديد.
[٣] سورة البقرة ، الآية : ١٩٠.
[٤] يعني من العراق متوجها نحو الشام ، وذلك بعد وصول كتاب أبي بكر إليه يأمره بأن يكون مددا لجنود الشام. وقد أرسل أبو بكر الكتاب إلى خالد مع عبد الرحمن بن حنبل الجمحي وفيه : من عبد الله بن عثمان خليفة رسول الله ٦ إلى خالد بن الوليد. أما بعد فقد ورد عليّ من خبر الشام ما قد أقلقني وأرقني وضقت به ذرعا فإذا ورد عليك كتابي هذا وأنت قائم فلا تقعد ، وإن كنت راكبا فلا تنزل ، وذر العراق وخلّف عليها من تثق به من أهلها الذين قدموا معك من اليمامة والحجاز حتى تأتي الشام فتلقى أبا عبيدة بن الجراح ومن معه من المسلمين ، فإن العدو قد جمع لهما جمعا عظيما وقد احتاجوا إلى معونتك ، فإذا أنت أتيت المسلمين بالشام فأنت أمير الجماعة والسلام (الفتوح ١ / ١٣٣).