تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر - الصفحة ٧٣ - باب ذكر اهتمام أبي بكر الصّدّيق بفتح الشّام وحرصه عليه ومعرفة إنفاذه الأمراء بالجنود الكثيفة إليه
وأوصى كل واحد منهما بوصية واحدة : اتّق الله في السر والعلانية ، فإنه من يتّق الله يجعل له مخرجا ، ويرزقه من حيث لا يحتسب ، ومن يتّق الله يكفر عنه سيئاته ، ويعظم له أجرا. فإنّ تقوى الله خير ما تواصى به عباد الله ، إنك في سبيل من سبل [١] الله لا يسعك فيه الإذهان [٢] والتفريط ولا والغفلة عما فيه قوام دينكم ، وعصمة أمركم ، فلا تن ولا تفتر. وكتب إليهما : استخلفا على أعمالكما ، واندبا من يليكما.
فولّى عمرو على علياء قضاعة عمرو بن فلان العذري ، وولّى الوليد على ضاحية قضاعة مما يلي دومة امرأ القيس ، وندبا الناس ، فتضامّ إليهما بشر كثير وانتظرا أمر أبي بكر.
وقام أبو بكر في الناس خطيبا فحمد الله وصلّى على رسوله ٦ وقال : ألا إن لكلّ أمر جوامع ، فمن بلغها فهو حسبه ومن عمل لله عزوجل كفاه الله عليكم بالجد والقصد ، فإن القصد أبلغ ، إلّا أنه لا دين لأحد لا إيمان معه ولا أجر لمن لا حسبة له ، ولا عمل لمن لا نية له. ألا وإن في كتاب الله من الثواب على الجهاد في سبيل الله لما ينبغي للمسلم أن يحب أن يخص به هي النجاة [٣] التي دل الله عليها ونجّى بها من الخزي وألحق بها الكرامة في الدنيا والآخرة.
فأمد عمرا ببعض من انتدب إلى من اجتمع إليه ، وأمّره على فلسطين ، وأمره بطريق سمّاها له ، وأتى الوليد فأمره بالأردن ، وأمدّه ببعضهم ودعا يزيد بن أبي سفيان ، فأمّره على جند عظيم ، هم جمهور من انتدب له ، وفي جنده سهيل بن عمرو وأشباهه من أهل مكة ، وشيعه ماشيا. فقال يزيد : يا خليفة رسول الله أتمشي وأنا راكب فأبى عليه وقال : إني أحتسب خطاي في سبيل الله.
قرأت على أبي محمد عبد الكريم بن حمزة السلمي ، عن عبد العزيز بن أحمد التميمي ، أنا أبو نصر محمد بن أحمد بن هارون بن الجندي وأبو القاسم عبد الرّحمن بن الحسين بن الحسن بن أبي العقب ، قالا : أنا أبو القاسم علي بن
[١] قوله : «من سبل» سقطت من الأصل ، واستدركت عن الطبري وخع ، وعلى هامش الأصل «سبيل من» في محاولة تصحيح العبارة.
[٢] يقال : ذهن عن الشيء ، وأذهنه عنه ، أنساه إياه وألهاه عنه.
[٣] في الطبري : التجارة.