تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر - الصفحة ٥٧ - باب ذكر بعث النبي
خرجت به إلى الشام معقودا مع أسامة ، ثم رجعت به إلى بيت أسامة فما زال معقودا في بيت أسامة حتى توفي أسامة. فلما بلغ العرب وفاة رسول الله ٦ وارتدّ من ارتدّ منها عن الإسلام. قال أبو بكر لأسامة : انفذ في وجهك الذي وجّهك فيه رسول الله ٦ ، وأخذ الناس بالخروج ، وعسكروا في موضعهم الأول وخرج بريدة باللواء حتى انتهى إلى معسكرهم الأول ، فشق على كبار المهاجرين الأولين ، ودخل على أبي بكر : عمر وعثمان وأبو [١] عبيدة وسعد بن أبي وقاص ، وسعيد بن زيد فقالوا : يا خليفة رسول الله ٦ ، إن العرب قد انتقضت عليك من كلّ جانب ، وإنك لا تصنع بتفريق هذا الجيش المنتشر شيئا ، اجعلهم عدة لأهل الردّة ترمي بهم في نحورهم ، وأخرى لا نأمن على أهل المدينة أن يغار عليها وفيها الذراري والنساء ، فلو استأنيت لغزو الروم حتى يضرب الإسلام بجرانه [٢] وتعود أهل الردّة إلى ما خرجوا منه أو يفنيهم السيف ، ثم تبعث أسامة حينئذ فنحن نأمن الروم أن تزحف إلينا. فلما استوعب أبو بكر كلامهم قال : هل منكم أحد يريد أن يقول شيئا؟ قالوا : لا ، قد سمعت مقالتنا. فقال : والذي نفسي بيده لو ظننت أن السباع تأكلني بالمدينة لأنفذت هذا البعث. ولا بدأت بأوّل منه ، ورسول الله ٦ ينزل عليه الوحي من السماء يقول : «انفذوا جيش أسامة» ولكن خصلة أكلم أسامة في عمر يخلّفه يقيم عندنا فإنه لا غنى بنا عنه ، والله ما أدري يفعل أسامة أم لا. والله إن أبي لا أكرهه. فعرف القوم أن أبا بكر قد عزم على إنفاذ بعث أسامة. ومشى أبو بكر إلى أسامة في بيته ، فكلّمه في أن يترك عمر ، ففعل أسامة وجعل يقول له : أذنت ونفسك طيبة؟ فقال أسامة : نعم. قال وخرج فأمر مناديه ينادي : عزمة مني ألّا يتخلف عن أسامة من بعثه من كان انتدب معه في حياة رسول الله ٦ ، فإني لن أوتى بأحد أبطأ عن الخروج معه إلّا ألحقته به ماشيا ، وأرسل إلى النفر من المهاجرين الذين كانوا تكلموا في إمارة أسامة فغلّظ عليهم وأخذهم بالخروج ، فلم يتخلف عن البعث إنسان واحد.
وخرج أبو بكر يشيّع أسامة والمسلّمين ، فلما ركب أسامة من الجرف في
[١] بالأصل : «وأبي».
[٢] الجران باطن عنق البعير ، أي حتى يقر قراره ويستقيم ، كما أن البعير إذا برك واستراح مدّ عنقه على الأرض (النهاية).