تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر - الصفحة ١٥٨ - باب ذكر تاريخ وقعة اليرموك ومن قتل بها من سوقة الرّوم والملوك
ما لا يحصى. وغلبهم الليل فبات المسلمون ، فلما أصبحوا نظروا فإذا هم لا يرون شيئا ، فقالوا : كمن أعداء الله لنا فلما بعثوا الخيول في الوادي تنظر هل لهم من كمين لو نزلوا بوطاء من المسلمين ، فإذا الرعاة يخبرونهم أنهم قد سقطوا في الواقوصة ، فسألوا عن عظيم [١] الروم ، فقالوا : قد ترحل منهم البارحة بنحو من أربعين ألفا.
ثم أتبعهم خالد بن الوليد على الخيل فقتلهم ، حتى مرّ بدمشق فخرج إليه رجال من أهل دمشق فاستقبلوه. فقالوا : نحن على عهدنا الذي كان بيننا وبينكم. فقال لهم : نعم أنتم على عهدكم. ثم أتبعهم يقتلهم في القرى ، وفي كل وجه حتى قدم دمشق فخرج إليه أهلها فسألوه التمام على ما كان بينهم ففعل. قال : ومضى خالد يطلب عظم الناس حتى أدركوه بثنية العقاب وهو يهبط الهابط منها إلى غوطة ، فدرك عظم الناس حتى أدركهم بغوطة دمشق.
فلما انتهوا إلى تلك الجماعة من الروم وأقبلوا يرمونهم بالحجارة من فوقهم ، فتقدم إليهم الأشتر وهو في رجال من المسلمين فإذا أمامهم رجل من الروم جسيم عظيم ، فمضى إليه حتى وثب عليه ، فاستوى هو والرومي على صخرة مستوية فاضطربا بسيفيهما فأظن [٢] الأشتر كف الرومي ، وضرب الرومي الأشتر بسيفه فلم يضره واعتنق [٣] كل واحد منهما صاحبه فوقعا على الصخرة ، ثم انحدرا وأخذ الأشتر يقول وهو في ذلك ملازم العلج لا يتركه (قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيايَ وَمَماتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ، لا شَرِيكَ لَهُ ، وَبِذلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ) [٤] قال : فلم يزل يقل ذلك حتى انتهوا إلى مستوى الجبل وقرار. فلما استقروا وثب على الرومي فقتله. وصاح في الناس أن جوزوا. قال : فلما رأت الروم أن صاحبهم قد قتل خلّوا الثنية وانهزموا. قال وكان الأشتر ذا بلاء حسن في اليرموك ، قالوا لقد قتل ثلاثة عشر.
قالوا : فركب خالد والمسلمون الثنية ، ثم انحطوا مشرفين ، وأنكوا في سائر البلاد يطلبون أعداء الله في القرى والجبال ، حتى وصلوا إلى حمص. فخرج إليهم أهل حمص
[١] بالأصل : «من عظيم» والمثبت عن خع ومختصر ابن منظور.
[٢] كذا بالأصل وخع ، والصواب «فأطنّ» كما في مختصر ابن منظور ١ / ٢٢١ ، يعني قطعها.
[٣] بالأصل وخع : «واستنق» والمثبت عن مختصر ابن منظور.
[٤] سورة الأنعام ، الآية : ١٦٢.