تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر - الصفحة ١٥٠ - باب ذكر تاريخ وقعة اليرموك ومن قتل بها من سوقة الرّوم والملوك
المسلمين صحارى وبراري ، ليس لأحد فيها معقل ولا معقول إلّا الصبر ورجاء ما وعد الله فهو خير معقول ، فامتنعوا بسيوفكم وتعاونوا بها ولتكن هي الحصون.
قالوا : ثم رجع أبو سفيان إلى النساء اللاتي مع المسلمين ، وكان كثير من المهاجرات قد حضرن يومئذ مع أزواجهن وأبنائهن ، وأجلسهن خلف صفوف المسلمين وأمر بالحجارة فألقيت بين أيديهن ثم قال : لا يرجع إليكن أحد من المسلمين إلّا رميتموه بهذه الحجارة ، وقلتن من يرجوكم بعد الفرار عن الإسلام وأهله وعن النساء بأرض العدو؟ فالله الله.
قال ثم رجع أبو سفيان فنادى المسلمين فقال : يا معشر أهل الإسلام حضر ما ترون فهذا رسول الله والجنة أمامكم والشيطان والنار خلفكم. ثم وقف موقفه.
قالوا وزحفت الروم مكانها إلى المسلمين يدفّون دفيفا معهم الصلبان ، وأقبلوا بالأساقفة والقسيسين والرهبان والبطارقة. لهم رجل كرجل الرعد ، وقد تبايع عظماؤهم على الموت ، ودخل منهم ثلاثون ألفا كل عشرة في سلسلة لأن لا يفرون [١].
قالوا فلما نظر إليهم خالد مقبلين أقبل يركض حتى قطع صف المسلمين إلى نساء المسلمين وهنّ على تلّ مرتفع من العسكر حيث وضعهن أبو سفيان فقال : يا نساء المسلمين أيّما رجل أقبل إليكم منهزما فاقتلنه ثم انصرف فأتى أبا عبيدة فقال : إن هؤلاء قد أقبلوا بعدة رحل وفرح وإن لهم حدة لا يردها شيء ، وليست خيلي بالكثيرة ، ولا والله لا قامت خيلي لشدة خيلهم ورجالهم أبدا وخيله يومئذ أمام صفوف المسلمين ثلاثة.
فقال خالد : قد رأيت أن أفرق خيلي فأكون في إحدى الخيلين ، وقيس بن هبيرة في الخيل الأخرى ، ثم تقف خيلنا من وراء الميمنة والميسرة فإذا حمل على الناس ثبت الله أقدامهم ، وإن كانت الأخرى حملت خيولنا عليهم وهي جامة [٢] ، وهم قد انتهت شدتهم وتفرّقت جماعتهم ، فأرجو عندها أن يظفر الله بهم ويجعل الدائرة عليهم. وقد رأيت أن يجلس سعيد بن زيد [٣] مجلسك هذا ، ويقف من ورائه بحذائه مائتين أو ثلاثمائة يكون
[١] كذا ، الصواب : لئلا يفروا.
[٢] بالأصل وخع : «حامه» والمثبت عن مختصر ابن منظور ١ / ٢١٦ يعني مستريحة. (انظر اللسان جمم).
[٣] عن خع وبالأصل «مرثد».