حلية الأبرار في أحوال محمد و آله الأطهار(ع) - البحراني، السيد هاشم - الصفحة ٤٦ - الباب الخامس في معرفة أهل الكتاب له بالنعت له في كتبهم و ما ظهر لهم من دلائل النبوة
طالب: كلّا إن شاء اللّه لم يكن اللّه ليضيّعه.
ثمّ خرجنا به إلى الشام، فلمّا قربنا من الشام رأيت و اللّه قصور الشامات كلّها قد اهتزّت، و علا منها نور أعظم من نور الشمس، فلمّا توسطنا الشام، ما قدرنا أن نجوز سوق الشام من كثرة ما ازدحم الناس و ينظرون إلى وجه رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلّم)، و ذهب الخبر في جميع الشامات، حتى ما بقي فيها حبر و لا راهب إلّا اجتمع عليه.
فجاء حبر عظيم، كان اسمه نسطور، فجلس حذاه ينظر إليه و لا يكلّمه بشيء حتى فعل ذلك ثلثة أيّام متوالية، فلمّا كانت اللّيلة الثالثة لم يصبر حتى قام إليه فدار خلفه كأنّه يلتمس منه شيئا، فقلت له: يا راهب كأنّك تريد منه شيئا؟ فقال أجل إنّي أريد منه شيئا، ما اسمه (عليه السلام)؟ قلت: محمّد بن عبد اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلّم)، فتغيّر و اللّه لونه، ثمّ قال: فترى أن تأمره أن يكشف لي عن ظهره لأنظر إليه؟ فكشف عن ظهره، فلمّا رأى الخاتم انكبّ عليه يقبّله و يبكي.
ثمّ قال: يا هذا اسرع بردّ هذا الغلام إلى موضعه الّذي ولد فيه، فإنّك لو تدري كم عدوّ له في أرضنا لم تكن بالّذي تقدّمه معك، فلم يزل يتعاهده في كلّ يوم و يحمل إليه الطعام، فلمّا خرجنا منها أتاه بقميص من عنده، فقال له:
ترى أن تلبس هذا القميص لتذكرني [١] به؟ فلم يقبله و رأيته كارها لذلك، فأخذت أنا القميص مخافة أن يغتمّ و قلت: أنا ألبسه، و عجّلت به حتى رددته إلى مكّة، فو اللّه ما بقي بمكّة يومئذ امرأة، و لا كهل و لا شابّ، و لا صغير، و لا كبير إلّا استقبلوه شوقا إليه ما خلا أبا جهل [٢] لعنه اللّه فإنّه كان فاتكا [٣]
[١] في المصدر: فقال لي: أترى أن يلبس هذا القميص ليذكرني به.
[٢] أبو جهل: عمرو بن هشام بن المغيرة المخزومي كان أشدّ الناس عداوة للنبي (صلى اللّه عليه و آله) و قتل في وقعة بدر الكبرى سنة (٢).
[٣] الفاتك: الجريء على ما همّ من الأمور و ما دعته النفس إليه.