حلية الأبرار في أحوال محمد و آله الأطهار(ع) - البحراني، السيد هاشم - الصفحة ١٣٠ - الباب الرابع عشر فيما عمله
و قال آخر: لا تكلّموه إن كان رسولا من اللّه كما يزعم، هو أعظم قدرا أن يكلّمنا، و إن كان كاذبا على اللّه فهو أسرف بكلامه.
و جعلوا يستهزءون به، فجعل يمشى كلّما وضع قدما وضعوا له صخرة، فما فرغ من أرضهم إلّا و قدماه تشخب دما، فعمد لحائط من كرومهم، و جلس مكروبا، فقال: اللهمّ إنّي أشكو إليك غربتي و كربتي و هواني على الناس، يا أرحم الراحمين، أنت ربّ المستضعفين، أنت ربّ المكروبين، اللّهم إن لم يكن لك عليّ غضب فلا أبالي، و لكن عافيتك أوسع لي، أعوذ بك من سخطك، و بمعافاتك من عقوبتك، و بك منك، لا أحصي الثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك، لك الحمد حتى ترضى، و لا حول و لا قوّة إلّا باللّه العلّي العظيم.
قيل: و كان في الكرم عتبة بن ربيعة، و شيبة، فكره أن يأتيهما، لما يعلم من عداوتهما.
فقالا لغلام لهما يقال: عداس: خذ قطفين [١] من العنب، و قدحا من الماء، و اذهب بهما إلى ذلك الرجل، و إنّه سيسئلك أهديّة أم صدقة، فإن قلت: صدقة لم يقبلها، بل قل له: هدّية.
فمضى و وضعه بين يديه، فقال: هدّية أم صدقة؟ فقال: هدّية، فمدّ يده، و قال: بسم اللّه، و كان عداس نصرانيا، فلمّا سمعه عجب منه، و صار ينظره، فقال له: يا عداس من أين؟ قال: من أهل نينوى، قال: من مدينة الرّجل الصالح أخي يونس بن متّى، قال: و من أعلمك؟ فأخبره بقصّته، و بما أوحي إليه، فقال: و من قبله؟ فقال: نوح، و لوط، و حكاه بالقصّة، فخرّ ساجدا للّه، و جعل يقبّل قدميه، هذا و سيّداه ينظران إليه.
فقال أحدهما للآخر: سحر غلامك، فلمّا أتهما قالا له: ما شأنك سجدت و قبّلت يديه؟ فقال: يا أسيادي ما على وجه الأرض أشرف و لا ألطف و لا أخير منه، قالوا: و لم ذلك؟ قال: حدّثني بأنبياء ماضية، و نبيّنا يونس بن
[١] القطف (بكسر القاف و سكون الطاء): العنقود ساعة يقطف.