حلية الأبرار في أحوال محمد و آله الأطهار(ع) - البحراني، السيد هاشم - الصفحة ٨٧ - الباب العاشر في إظهاره
فقال له: إنّه كان بيننا و بين قومنا حرب، و قد جئناك نطلب الحلف عليهم، فقال له عتبة: بعدت دارنا عن داركم، و لنا شغل لا نتفرّغ لشيء، قال: و ما شغلكم و أنتم في حرمكم و أمنكم؟ قال له عتبة: خرج فينا رجل يدّعي أنّه رسول اللّه، سفّه أحلامنا، و سبّ آلهتنا، و أفسد شبابنا، و فرّق جماعتنا، فقال له أسعد: من هو منكم؟ قال: ابن عبد اللّه بن عبد المطّلب، من أوسطنا شرفا و أعظمنا بيتا.
و كان أسعد و ذكوان و جميع الأوس و الخزرج، يسمعون من اليهود، الذين كانوا بينهم، النضير [١] و قريضة [٢] و قينقاع [٣]: أنّ هذا أوان نبيّ يخرج بمكّة، يكون مهاجره بالمدينة، لنقتلنّكم به يا معشر العرب.
فلمّا سمع ذلك أسعد، وقع في قلبه ما كان سمعه من اليهود، قال:
فأين هو؟ قال: هو جالس في الحجر، و أنّهم لا يخرجون من شعبهم، إلّا في الموسم. فلا تسمع منه، و لا تكلّمه، فإنّه ساحر، يسحرك كلامه، و كان هذا في وقت محاصرة بني هاشم في الشعب، فقال له أسعد: فكيف أصنع و أنا معتمر؟ لا بدّ لي أن أطوف بالبيت، قال: ضع في أذنيك القطن فدخل أسعد المسجد وحشى أذنيه بالقطن فطاف بالبيت و رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلّم) جالس في الحجر مع قوم من بني هاشم: فنظر إليه نظرة فجازه، فلما كان في الشوط الثاني قال في نفسه: ما أحد أجهل مني أيكون مثل هذا الحديث بمكة فلا أتعرفه حتى أرجع إلى قومي فأخبرهم ثم أخذ القطن من أذنيه، و رمى به، و قال لرسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلّم): أنعم صباحا، فرفع رسول اللّه
- على رأسه بثوب له، فقتله أمير المؤمنين (عليه السلام) و حمزة و عبيدة بن الحارث سنة (٢).
[١] النضير: قبيلة يهوديّة سكنت يثرب بالقرب من المدينة، نكثوا عهدهم مع النبي (ص) بعد أنّ حالفوه فحاصرهم في معقلهم، ثم نفاهم و صادر أملاكهم و وزّعها على المهاجرين.
[٢] قريظة (بضم القاف و فتح الراء) قبيلة يهودية من يثرب قاوموا النبي (ص) في هجرته إلى المدينة، فحاصرهم في معاقلهم، و أعمل فيهم السيف إلا أربعة من رجالهم اعتنقوا الاسلام.
[٣] قينقاع (بفتح القاف و ضم النون): من قبائل اليهود الثلث في يثرب، حاصره النبي (ص) فرموا سلاحهم و نزحوا إلى وادي القرى و منها إلى أذرعات.