حلية الأبرار في أحوال محمد و آله الأطهار(ع) - البحراني، السيد هاشم - الصفحة ٤٥ - الباب الخامس في معرفة أهل الكتاب له بالنعت له في كتبهم و ما ظهر لهم من دلائل النبوة
تعمر المساجد، كأنّي بك قد قدت [١] الأجناد و الخيل الجياد، و قد تبعك العرب و العجم طوعا و كرها، و كأنّي باللّات و العزّى و قد كسرتهما، و قد صار البيت العتيق لا يملكه أحد غيرك، تضع مفاتيحه حيث تريد، كم من بطل من قريش و العرب تصرعه! معك مفاتيح الجنان و النيران، معك الذبح الأكبر و هلاك الأصنام، أنت الذي لا تقوم الساعة حتى تدخل الملوك كلّها في دينك صاغرة قمئة [٢]، فلم يزل يقبّل يديه مرّة و رجليه مرّة و يقول: لإن أدركت زمانك لأضربنّ بين يديك بالسيف ضرب الزند [٣] بالزند، أنت سيّد ولد آدم، و سيّد المرسلين، و إمام المتّقين، و خاتم النبيّين، و اللّه لقد ضحكت الأرض يوم ولدت، فهي ضاحكة إلى يوم القيمة فرحا بك، و اللّه لقد بكت البيع و الأصنام و الشياطين، فهي باكية إلى يوم القيمة، أنت دعوة إبراهيم و بشرى عيسى، أنت المقدّس المطهّر من أنجاس الجاهليّة.
ثمّ التفت إلى أبي طالب فقال: ما يكون [٤] هذا الغلام منك فإنّي أراك لا تفارقه؟ فقال أبو طالب: هو ابني، فقال: ما هو بابنك، و ما ينبغي لهذا الغلام أن يكون والده الّذي ولده حيّا و لا أمّه، فقال: إنّه ابن أخي، و قد مات أبوه و أمّه حاملة به، و ماتت أمّه و هو ابن ستّ سنين فقال: صدقت هكذا هو، و لكن أرى لك أن تردّه إلى بلده عن هذا الوجه، فإنّه ما بقي على ظهر الأرض يهوديّ و لا نصرانيّ و لا صاحب كتاب إلّا و قد علم بولادة هذا الغلام و لئن رأوه و عرفوا منه ما قد عرفت أنا منه ليبغنّه شرّا و أكثر ذلك هؤلاء اليهود.
فقال أبو طالب: و لم ذلك؟ قال: لأنّه كاين لابن أخيك هذا النبوّة و الرسالة، و يأتيه الناموس الأكبر الذي كان يأتي موسى و عيسى، فقال أبو
[١] قدت: الماضي المخاطب من قاد يقود الدابّة أي مشى أمامها آخذا بزمامها.
[٢] القمئة (بفتح القاف و كسر الميم): الذليلة الصغيرة.
[٣] الزند: العود الأعلى الذي يقتدح به النار.
[٤] لا يخفى أنّ هذا السؤال وقع تكرارا لأنه قد سأل قبل ذلك عن النسبة بينهما.