حلية الأبرار في أحوال محمد و آله الأطهار(ع) - البحراني، السيد هاشم - الصفحة ٤٣ - الباب الخامس في معرفة أهل الكتاب له بالنعت له في كتبهم و ما ظهر لهم من دلائل النبوة
للشتاء، فتعجّب جميع من معنا من ذلك، فلمّا رأى بحيرا الراهب ذلك ذهب، فاتّخذ لرسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلّم) طعاما بقدر ما يكفيه.
ثمّ جاء و قال: من يتولّى أمر هذا الغلام؟ فقلت: أنا، فقال: أيّ شيء تكون منه؟ (عليه السلام) فقلت: أنا عمّه، فقال: يا هذا إنّ له أعماما، أيّ الأعمام أنت؟ فقلت أنا أخو أبيه من أمّ واحدة، فقال: إنّه هو، و إلّا فلست بحيراء [١].
ثمّ قال لي: يا هذا أتأذن لي أن أقرّب هذا الطعام منه ليأكله؟ فقلت:
قرّبه إليه، و التفتّ إلى النبيّ (صلى اللّه عليه و آله و سلّم) فقلت: يا بنيّ رجل أحبّ أن يكرمك فكل، فقال: هو لي دون أصحابي؟ فقال بحيرا: نعم هو لك خاصّة، فقال النبيّ (صلى اللّه عليه و آله و سلّم): فإنّي لا آكل دون هؤلاء، فقال بحيرا: إنّه لم يكن عندي أكثر من هذا، فقال: أفتأذن يا بحيرا أن يأكلوا معي؟ فقال: بلى فقال: كلوا بسم اللّه، فأكل و أكلنا معه، فو اللّه لقد كنّا مائة و سبعين رجلا و أكل كلّ واحد منّا حتى شبع و تجشّئ، قال: و بحيرا قائم على رأس رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلّم) يذبّ عنه و يتعجّب من كثرة الرجال و قلّة الطعام، و في كلّ ساعة يقبّل رأسه و يافوخه [٢]، و يقول: هو هو و ربّ المسيح، و الناس لا يفقهون، فقال له رجل من الركبان: إنّ لك لشأنا و قد كنّا نمرّ بك قبل اليوم فلا تفعل بنا هذا البر؟ فقال بحيرا: و اللّه إنّ لي لشأنا و شأنا و إنّي لأرى ما لا ترون، و أعلم ما لا تعلمون، و إنّ تحت هذه الشجرة لغلاما لو أنتم تعلمون منه ما أعلم لحملتموه على أعناقكم حتى تردّوه إلى وطنه و اللّه ما أكرمتكم إلّا له.
و لقد رأيت له و قد أقبل نورا أمامه ما بين السماء و الأرض، و لقد رأيت رجالا في أيديهم مراوح الياقوت و الزبرجد يروّحونه، و آخرون ينثرون عليه
[١] بحيراء (بفتح الباء و كسر الحاء): كان راهبا على مذهب النساطرة، و كان يدعو إلى التوحيد.
[٢] اليافوخ: الموضع الذي يتحرك من رأس الطفل و هو فراغ بين عظام جمجمته في مقدّمها و أعلاها لا يلبث أن تلتقي فيه العظام.