حلية الأبرار في أحوال محمد و آله الأطهار(ع) - البحراني، السيد هاشم - الصفحة ١١٧ - الباب الثاني عشر في أذى المشركين له
محمّد (صلى اللّه عليه و آله) و عظم على قريش أمره و نزول الوحي عليه و ما كان يخبرهم به قال بعضهم لبعض: ليس لنا إلّا قتل محمّد، و قال أبو سفيان: أنا أقتله لكم، قالوا: و كيف تصنع؟ قال: بلغنا أنّه يظلّ كلّ ليلة في مغار جبل أو في واد و قد عرفت أنّه في هذه الليلة يمضي إلى جبل حراء فيظلّ فيه، قالوا:
ويحك يا أبا سفيان إنّه لا يمشي عليه أحد إلّا قذفه حتى يقطعه، و كيف يمضي أحد إليه؟!
و بعثوا إلى أرصاد [١] لهم على النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) فقال تجسّسوا لنا عليه اللّيلة، و دوروا من حول جبل حراء، فلعلّ محمّدا يعلوه فيقذفه، فتكفون مؤنته، فلمّا جنّ عليه اللّيل أخذ النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) بيد عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)، ثمّ خرجا و أصحابه لا يشعرون، و أبو سفيان و جميع من في الرصّد مقنّعون [٢] بالحديد من حول حراء، فما شعروا حتى وافى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلّم) و أمير المؤمنين (عليه السلام) بين يديه، فصعدا جبل حراء فلمّا صارا عليه و في ذروته، اهتزّ الجبل و ماج [٣]، ففزع أبو سفيان و من معه، فتباعدوا من الجبل، و قالوا: كفينا مؤنة محمّد و قد قذفه حراء و قطعه، فاطلبوه من حول الجبل، فسمعوا النبيّ (صلى اللّه عليه و آله و سلّم) يقول: أسكن حراء فما عليك إلّا نبيّ و وصيّ نبيّ.
فقال أبو سفيان: فسمعت محمّدا، يقول: جبل حراء إن قرب منك أبو سفيان و من معه فأدمهم بهوامّك [٤] حتى تنهشهم فتجعلهم حصيدا خامدين قال أبو سفيان: فسمعت حراء يلبّيه من كلّ جوانبه و يقول: سمعا و طاعة لك يا رسول اللّه و لوصيّك، فسعينا على وجوهنا خوفا أن نهلك بما قال محمّد (صلى اللّه عليه و آله)، و أصبحوا و اجتمعت قريش فقصّوا قصتهم و ما كان من رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) و ما خاطب به جبل حراء و ما أجابه، فقال أبو جهل لعنه
[١] الأرصاد (بفتح الهمزة) جمع الرصد (بفتح الراء و الصاد) القوم الذين يرصدون كالحرس.
[٢] المقنع (بفتح النون المشدّدة): الذي على رأسه بيضة الحديد.
[٣] ماج: تحرّك و اضطرب.
[٤] الهوامّ (بفتح الهاء و آخرها الميم المشدّدة): جمع الهامّة و هي ما كان له سمّ.