حلية الأبرار في أحوال محمد و آله الأطهار(ع) - البحراني، السيد هاشم - الصفحة ١٠٢ - الباب الحادي عشر في نزول الشعب و حماية أبي طالب و ما يدلّ على إيمانه من طريق العامّة
ظلّ الكعبة، فلمّا أبصروه تباشروا به، و ظنّوا أنّ الحصر و البلاء حملهم على أن يدفعوا إليهم رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلّم) فيقتلوه.
فلمّا انتهى إليهم أبو طالب و رهطه، رحّبوا به، فقالوا: قد آن لك أن تطيب نفسك عن قتل رجل، في قتله صلاحكم و جماعتكم، و في حياته فرقتكم و فسادكم.
فقال أبو طالب: قد جئتكم في أمر، لعلّه يكون فيه صلاح و جماعة، فاقبلوا ذلك منّا، هلمّوا صحيفتكم الّتي فيها تظاهركم علينا، فجاءوا بها، و لا يشكّون إلّا أنّهم يدفعون رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلّم) إذا نشروها، فلمّا جاؤوا بصحيفتهم، قال أبو طالب: بيني و بينكم، إنّ ابن أخي قد أخبرني- و لم يكذبنى- أنّ اللّه عزّ و جلّ قد بعث على صحيفتكم الأرضة [١] فلم تدع للّه تعالى إسما إلّا أثبتته و نفت منها الظلم و القطعية و البهتان، فإن كان كاذبا، فلكم عليّ أن أدفعه إليكم تقتلونه، و إن كان صادقا، فهل ذلك ناهيكم عن تظاهركم علينا؟ فأخذ عليهم المواثيق، و أخذوا عليه، فلمّا نشروها، فإذا هي كما قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلّم)، و كانوا هم بالعذر أولى منهم فاستسرّ أبو طالب و أصحابه، و قالوا: أيّنا أولى بالسخر و القطيعة و البهتان.
فقام المطعم بن عدي بن نوفل بن مناف، و هشام بن عمرو أخو بني عامر بن لوّي بن حارثة، فقالوا: نحن براء من هذه الصحيفة القاطعة العادية الظالمة، و لن نمالي أحدا في فساد أمرنا و أشرافنا، و تتابع على ذلك ناس من أشراف قريش، فخرج أقوام من شعبهم، و قد أصابهم الجهد الشديد، فقال أبو طالب في ذلك أمر محمّد (صلى اللّه عليه و آله و سلّم)، و ما أرادوا من قتله:
تطاول ليلي بهمّ نصب* * * و دمع كسح [٢]السقاء [٣]السرب [٤]
[١] الأرضة: (بفتح الهمزة و الراء) دويبة من فصيلة الأرضيات تقرض الأخشاب و تعيش في البلاد الحارة.
[٢] الكسح (بفتح السين و الحاء المشدّدة) صبّ الماء صبّا متتابعا غزيرا.
[٣] السقاء (بكسر السين) وعاء من جلد للماء و اللبن و نحوهما.
[٤] السرب (بفتح السين و كسر الراء): الماء السائل.