كتاب الأربعين - المحقق البحراني - الصفحة ٦١
هذا مع قطع النظر وطي الكشح عما في الاحتمال المذكور من البعد عن الظاهر المساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب، ووجدنا ذلك لأمير المؤمنين (عليه السلام) بالتنزيل، وتواترت الأخبار به على التفصيل، قال الله عز اسمه (ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا) واتفقت الرواة من الفريقين الخاصة والعامة على أن الاية بل السورة نزلت في أمير المؤمنين (عليه السلام) وزوجته فاطمة وابنيه (عليهم السلام). وقال تعالى (الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار) الاية، وجاءت الرواية مستفيضة بأن المعني بها أمير المؤمنين (عليه السلام)، ولا خلاف أنه (عليه السلام) أعتق من كد يده جماعة لا يحصون كثرة، ووقف أراضي كثيرة وعينا استخرجها وأحياها بعد موتها، فانتظم الصفات على ما ذكرناه. ثم أردف ذلك بقوله (وأقام الصلاة وآتى الزكاة) فكان هو المعني بها، بدلالة قوله تعالى (انما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون) واتفق أهل النقل على أنه (عليه السلام) المزكي في حال ركوعه. ثم أعقب ذلك بقوله عزو جل (والموفون بعهدهم إذا عاهدوا) وليس أحد من الصحابة الا من نقض العهد في الظاهر، أو تقول عليه ذلك الا أمير المؤمنين (عليه السلام) فانه لا يمكن أحدا أن يزعم أنه نقض ما عاهد عليه رسول الله (صلى الله عليه وآله) من النصرة والمواساة، فاختص بهذا الوصف. ثم قال: (والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس) ولم يوجد أحد صبر مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) عند الشدائد غير أمير المؤمنين (عليه السلام) فانه باتفاق وليه وعدوه لم يول دبرا، ولم يفر من قرن ولا هاب في الحرب خصما. فلما استكمل هذه الخصال بأسرها قال الله سبحانه: (اولئك الذين صدقوا) يعني به أن المدعو الى اتباعه من جملة الصادقين، وهو من دل عليه اجتماع الخصال فيه، وذلك أمير المؤمنين (عليه السلام). وانما عبر عنه بحرف الجمع تعظيما له وتشريفا، إذ العرب تضع لفظ الجمع على الواحد إذا أرادت أن تدل على نباهة وعلو قدره وشرفه ومحله، وان كان قد يستعمل في من لا يراد به ذلك إذا كان الخطاب يتوجه إليه ويعم غيره بالحكم. ولو جعلنا المعنى في لفظ الجمع بالعبارة عن أمير المؤمنين (عليه السلام) لذلك لكان وجها، لأن الحكم جار في من يليه من الأئمة: (عليهم السلام) على ما شرحناه (منه).