كتاب الأربعين - المحقق البحراني - الصفحة ٢٩١
صلوحهما للامامة الكبرى، وارتقاء المنابر، وانهما بمعزل عن الصلاحية لامارة على عسكر أو سرية، فكيف يصلحان للرئاسة العامة الدينية والدنيوية. وان الخليق بهذا المقام، والحقيق بالنقض والابرام، هو ذلك القرم الهام، والبحر القمقام [١]، الذي لم يتلوث ذيله بكدورات الاثام، ولم تعرف له هزيمة ولا نكول في موقف ولا مقام، وان وصفه (صلى الله عليه وآله) لهذا القرم الهمام بالأوصاف العامة يجري مجرى الهذيان، فلا يليق نسبته الى كلام رسول الملك الديان. وان جميع من سواه ممن يطمح إليه الأبصار، وتثنى عليه الخناصر، سالكون مسالك التلبيس، وناهجون مناهج ابليس، ليسوا ممن أحبه الله تعالى وأدناه الى حضرة قربه، وسقاه كؤوس لطفه وحبه [٢]، وان مطمح نظرهم هي الدنيا الدنية، والزهرات الردية، والشهوات البدنية، الا نفرا قليلا [٣] لم يصلحوا لهذا الأمر الجليل الشأن. ويؤيد هذا الذي ذكرناه ما رواه أبو عمرو الكشي قدس روحه في كتاب الرجال. عن علي بن الحكم، عن سيف بن عميرة، عن أبي بكر الحضرمي، قال: قال أبو جعفر (عليه السلام): ارتد الناس الا ثلاثة نفر: سلمان، وأبو ذر، والمقداد، فقلت: فعمار ؟ قال: كان جاض جيضة [٤] ثم رجع، ثم قال: ان أردت الذي لم يشك ولم يدخله
[١] أي: البحر العظيم (منه).
[٢] فيه دلالة على أن محبة الله سبحانه لعبده هو فيضان الألطاف عليه، وكشف الحجاب عن قلبه، حتى يطئ بساط القرب، ويروى من كأس الحب، وقد بسطنا في ذلك في حواشينا على كتاب الأربعين (منه).
[٣] كالأركان الأربعة ومن شاكلهم (منه).
[٤] بالجيم والضاد المعجمة، هذا هو المسموع من المشائخ والثابت في النسخ الصحيحة، أي: حاد عن الحق وعدل ثم رجع. قال في القاموس: جاض عن كذا يجيض جيضا: حاد و عدل. وضبطها بعض الأصحاب حاص بالمهملتين، فهو أيضا بالمعنى المذكور. وأما ضبطها بالحاء المهملة والضاد المعجمة مأخوذ من الحيض الدم المعروف على سبيل التشبيه في