كتاب الأربعين - المحقق البحراني - الصفحة ١٦٣
وقد كنت في حداثة سني أتعجب من استفاضة هذا الخبر عند أساطين محدثي المخالفين وفحول عظمائهم، وعدولهم عن محجته الواضحة وسبله اللائحة، وأقول: كيف يخفى على عاقل ما قصده (عليه السلام) من هذه الواقعة ؟ وكيف يستحسن أن ينسب رسول الملك الديان الى ما يجري مجرى الهذيان. واجتمعت مع بعض الفضلاء المحجوبين عن حقائق اليقين، فجرت هذه القصة في البين، فقال: ان المخالفين ينكرون هذا الخبر، كما يحكى أن ابن أبي داود [١] منع وقد أورده مصنفوا الحديث في جملة الصحيح، فقد استبد هذا الخبر بما لا يشركه فيه سائر الأخبار، لأن الأخبار على ضربين، أحدهما: لا يعتبر في نقله الأسانيد المتصلة كالخبر عن وقعة بدر وخيبر والجمل وصفين وما جرى مجرى ذلك من الامور الظاهرة التي نقلها الناس قرنا بعد قرن بغير اسناد وطريق مخصوص. والضرب الاخر: يعتبر فيه اتصال الاسناد كأخبار الشريعة. وقد اجتمع في خبر الغدير الطريقان معا مع تفرقهما في غيره من الأخبار، على أن ما اعتبر في نقله من أخبار الشريعة اتصال الأسانيد لو فتشت عن جميعه، لم تجد رواية الا الاحاد، وخبر الغدير قد رواه بالأسانيد الكثيرة المتصلة الجمع الكثير، فمزيته ظاهرة. ومما يدل على صحة الخبر اطباق علماء الامة على قبوله، ولا شبهة فيما ادعيناه من الاطباق، لأن الشيعة جعله الحجة في النص على أمير المؤمنين (عليه السلام) بالامامة، و مخالفوا الشيعة تأولوه على خلاف الامامة على اختلاف تأويلاتهم، فمنهم من يقول: انه يقتضي كونه الأفضل. ومنهم من يقول: انه يقتضي موالاته على الظاهر والباطن. وآخرون يذهبون فيه الى ولاء العتق ويجعلونه سببه ما وقع من زيد بن حارثة وابنه اسامة من المشاجرة، الى غير ذلك من ضروب التأويلات والاعتقادات. وما نعلم أن فرقة من فرق الامة ردت هذا الخبر واعتقدت بطلانه، وامتنعت من قبوله، وما تجمع الامة عليه لا يكون الا حقا عندنا وعند مخالفينا، وان اختلفنا في العلة و الاستدلال. انتهى كلامه زيد اكرامه (منه).
[١] وابن أبي داود جاهل ناصب عشيق، كان يعشق الصبيان وبه مات، كما هو مذكور في التواريخ، مجسم خبيث، وانكار الضروريات غير مستبعد منه (منه).