كتاب الأربعين - المحقق البحراني - الصفحة ٤٩
ممتنعا بالنظر الى عدم داعيه ووجود صارفه [١]. فأهل العصمة هم الذين أعانهم الله سبحانه على قهر نفوسهم الأمارة بالسوء أكمل قهر وأتمه، حتى صارت أسيرة في أيدي نفوسهم العاقلة، فلم تتلوث ذيولهم بالمحارم، ولم تتشبث عزائمهم بالأكدار والماثم، فهم خواص الخواص وأقطاب اولي الاخلاص، وهم أهل الاستقامة المطلقة الشاملة، والعدالة الحقيقة الكاملة. قال بعض الأعلام [٢] من علمائنا العظام ونعم ما قال: إن العصمة هي العدالة المطلقة الموجبة لارتكاب الصراط المستقيم، والنهج القويم، الذي يصل صاحبه [٣] بالأنوار القدسية والأسرار الجبروتية، المانعة من الميل الى جانبي الافراط والتفريط القاهرة لدواعي الشهوة والغضب الحاكمة [٤] من الوقوع على خلاف مقتضاها، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء من عباده على وفق حكمته وطبق مراده. وأما العدالة، فانها لا تكون مانعة من الوقوع في المعصية، لأن المراد من العدالة الخاصة التجنب عن المعاصي الشرعية، وفعل الواجبات التكليفية، ومن هو موصوف بذلك جائز منه الخروج عن مقتضاها، ووقوع ضدها منه عند غرض من الأغراض بسبب استيلاء القوة الشهوية والغضبية عليه. وهذا لا ينكره عاقل، لأن هذه العدالة لا تقتضي قهر دواعي الشهوة والغضب، وحينئذ جاز وقوع المعصية منهم وخروجهم بها عن مقتضى العدالة، ولا يكون
[١] المراد أن المعصية منهم (عليهم السلام) ممكنة بالامكان الذاتي، وغير ممكنة بالامكان الوقوعي، فان لهم شهوة وغضب، ولكنهم (عليهم السلام) يصرفونها الى ما خلقنا لأجله، كالنكاح والجهاد مع أعداء الدين، وليس لهم دواع الى صرفها في المعاصي، وبهذا كانوا أفضل من الملائكة لفقدانهم القوتين (منه).
[٢] هو صاحب المجلي (منه) وهو الشيخ المحقق ابن أبي جمهور الأحسائي.
[٣] في المجلي: الذي لا يصل إليه الا الشاذ النادر المؤيد صاحبه.
[٤] في المجلي: الحاسمة. (*)