كتاب الأربعين - المحقق البحراني - الصفحة ٤٣٨
انقلعت بعروقها، وجاءت ولها دوي عظيم شديد، وقصف كقصف [١] أجنحة الطير حتى وقفت بين يدي رسول الله (صلى الله عليه وآله) وألقت بعضها الأعلى على رسول الله (صلى الله عليه وآله) وبعض أغصانها على منكبي، وكنت عن يمينه (صلى الله عليه وآله)، فلما نظر القوم الى ذلك قالوا علوا واستكبارا: فمرها فليأتيك نصفها ويبقي نصفها، فأمرها بذلك، فأقبل إليه نصفها كأعجب اقبال وأشد دويا، وكادت تلف برسول الله (صلى الله عليه وآله)، قالوا كفرا وعلوا: فمر هذا النصف فليرجع الى نصفه كما كان، فأمره رسول الله (صلى الله عليه وآله) فرجع. قلت أنا: لا اله الا الله اني أول مؤمن بك يا رسول الله، وأول من آمن بأن الشجرة فعلت ما فعلت بأمر الله تصديقا لنبوتك واجلالا لكلمتك، فقال القوم كلهم: بل ساحر كذاب عجيب السحر خفيف فيه، وهل يصدقك في أمرك الا مثل هذا يعنوني. واني لمن القوم الذين لا تأخذهم في الله لومة لائم، سيماهم [٢] سيماء الصديقين، وكلامهم كلام الأبرار، عمار الليل ومنار النهار، متمسكون بحبل القرآن، يحبون سنن الله وسنن رسوله، لا يستكبرون ولا يعلون ولا يفسدون قلوبهم في الجنان، وأجسادهم في العمل [٣]. وأورده الحموي في فرائد السمطين أيضا عن سليم بن قيس الهلالي قال: رأيت
[١] هذا الخطاب ونحوه من خطاب النباتيات على حد خطاب العقلاء، الظاهر أنه مجاز باعتبار اجابته لدعوته كالعاقل، ويجوز على رأي الأشعري أن يكون حقيقة حيث لا يجعلون الغيبة شرطا في الحياة وما يتعلق بها من السمع والفهم. وأما على رأي المعتزلة، فقيل: الخطاب لله، فكأنه قال: اللهم ان كنت صادقا في رسالتك فاجعل ما سألت من هذه الشجرة مصدقا لي، قاله الشيخ كمال الدين ميثم البحراني (اختيار مصباح السالكين ص ٤٦٦) أقول: ولا مانع من أن يكون الخطاب حقيقة عندنا، كما بيناه في محل أبسط (منه).
[٢] السيمة والسيماء والسمة بكسرهن: العلامة. القاموس.
[٣] الطرائف ص ٤١٣ - ٤١٦، والخطبة القاصعة من نهج البلاغة برقم: ١٩٢.