كتاب الأربعين - المحقق البحراني - الصفحة ٤٣٦
الخصيصة، وضعني في حجره وأنا وليد، يضمني الى صدره، ويكنفني [١] في فراشه، ويمسني جسده، ويشمني عرفه، وكان يمضغ الشئ ويلقمنيه، وما وجد لي كذبة في قول ولا خطلة [٢] في فعل، ولقد قرن الله به من لدن كان فطيما [٣] أعظم ملك (٤ ملائكته يسلك به طرق المكارم، ومحاسن أخلاق العالم ليله ونهاره. ولقد كنت أتبعه اتباع الفصيل [٥] اثر امه، يرفع لي في كل يوم علما من أخلاقه وأمرني بالاقتداء به، ولقد كان يجاور في كل سنة بحراء [٦]، فأراه ولا يراه غيري، ولم يجمع بيت واحد في الاسلام غير رسول الله (صلى الله عليه وآله) وخديجة وأنا ثالثهما، أرى نور الوحي والرسالة، وأشم ريح النبوة. ولقد سمعت رنة (عليه السلام)) الشيطان [٨] حين نزل الوحي عليه (صلى الله عليه وآله)، فقلت: يا رسول الله ما هذه الرنة ؟ فقال: هذا الشيطان قد آيس من عبادته، انك تسمع ما أسمع وترى ما أرى، الا أنك لست بنبي ولكنك وزير وانك لعلى خير.
[١] كنفه صانه وحفظه وحاطه وأعانه كأنفه - القاموس.
[٢] الخطلة، السيئة من قول أو فعل (منه).
[٣] فطم الصبي فصله عن الرضاع فهو مفطوم وفطيم (منه).
[٤] قيل: المراد به جبرئيل (عليه السلام). وقيل: هو روح القدس (منه).
[٥] الفصيل: ولد الناقة إذا فصل عن امه، الجمع فصلان بالضم والكسر وككتاب - القاموس.
[٦] حراء بالمد والكسر يذكر ويؤنث ويصرف ويمنع (منه).
[٧] الرنة: الصوت.
[٨] قوله (ولقد سمعت رنة الشيطان) قال الشيخ كمال الدين ميثم البحراني في شرحه (٤: ٣١٨): ان نفسه القدسية أخذت معنى الشيطان مقرونا بمعنى اليأس والحزن، وكسته المتخيلة صورة حزين صارخ، وحطته الى لوح الخيال، فصار مسموع الرنة له، كما رواه النبي (صلى الله عليه وآله) انتهى. أقول: وفيه نظر، ولا وجه للعدول عن الظاهر (منه).