رحلة إلي عرب أهوار العراق - ويلفرد فيسجر - الصفحة ٩٤ - ٧- بومفيفات إحدى قرى الأهوار
و أخيرا تجاوز حدود صلاحياته، ففي إحدى المرات، كان أحد القوارب محملا بخصافات من التمر يمرّ في قرية قباب في طريقه من القرنة إلى العمارة، خرج صدام من بيته و أمر صاحب القارب بشكل جازم أن يتوقف عن السير و يناوله ثلاث خصافات من التمر قبل مواصلة سفره. فردّ عليه قائلا بأنه كان يسرّه أن يقدم لصدام شيئا من التمر كهدية، لكنه، لعن نفسه إن قدّم له منها شيئا بعد هذا الطلب. فما كان من صدام إلّا و أن دخل بيته ثم خرج حاملا معه بندقيته فأطلق النار من فوق رأس صاحب القارب.
اشتكى هذا الرجل لدي الشيخ مجيد الخليفة فنحّى صدام عن منصبه هذا لعمله المشين. التقيت به مرات عديدة من بعد هذا الحادث فوجدته في فقر مدقع، لكنه بقي على عادته في الكرم و السخاء، يرحب بالضيوف مثلما كان يرحب بهم حينما كان يحكم قباب.
تبعد قرية بومفيفات مقدار ميلين عن قباب. انطلقنا إليها من مضيف صدام و نحن نسلك في مسيرنا ممرا مائيا يجري كالنهر الرئيسي بين القريتين. و سألت صدام عما إذا كانت هذه الممرات بين منابت القصب هي طبيعية أم من صنع الإنسان. فأجاب، بأن المعدان يسوقون الجواميس حينما ينخفض منسوب المياه من خلال القصب حتى يحدثوا أثرا لطريق يسلكونه، ثم يبقى هذا الأثر فيما بعد مفتوحا بسبب ذهاب و إياب المشاحيف منه.
شاهدنا أثناء سيرنا عددا من الجواميس و هي غاطسة في وسط مجرى النهر، و كان الشخص الجالس في مقدمة المشحوف يربت على رؤوسها بعصاه حتى يبعدها عن الطريق، لكنها ما كانت تبالي أو تتحرك من أماكنها حتى و لو سار المشحوف على أجسادها لمنع ظهورها.
سألت: «هل بإمكان الجواميس أن تلامس مقر الماء في كل مكان من هنا؟».