رحلة إلي عرب أهوار العراق - ويلفرد فيسجر - الصفحة ٣٠٣ - ٢١- فيضان سنة ١٩٥٤
نتبلّل بسرعة. و كانت مياه الأمطار تنهمر علينا من السقوف المشقوقة. و في الصباح اللطيف، كنا نجفف ملابسنا و إلّا أصبنا بالبرد و أصبحنا في حالة تعيسة.
كنا واصلنا سيرنا عبر فسحة واسعة من الطين الممزوج بالماء و تحت سماء مكفهرة بالغيوم. و حينما وصلنا نهر الكحلاء وجدنا القرى الواقعة على مصبها مغمورة بمياه الفيضان.
ففي إحدى القرى، اكتسحت المياه الجدران الطينية المحيطة بالدار، خلال الليل و كانت الأسر تتلمس طريقها في المياه بحثا عن حاجياتها.
و كان ضغط المياه على طول نهر الكحلاء قد حطّم السدود بسبب تدفق المياه عبر حقول القمح و الشعير غير المحصودة، و عندما عبرنا مرة أخرى نهر دجلة، لم تبق لنا حاجة حتى نبحث عن جسر لكي نعبر من تحت الطريق الرئيسي لأن مستوى المياه الفائضة كان بمستوى حافات السدود.
ففي مثل هذه الحال كنا نرش الطريق الترابي ثم ندفع الطرادة فتنزلق على الأرض الموحلة. و هنا أصرّ طاهر بأن يتركنا حتى يتمكن من مساعدة أسرته فقال لنا «راح ترتفع المياه هذه السنة و تصبح عميقة جدا بحيث يصعب على الجواميس أن تقتات من الأهوار. راح نشتغل زايد حتى نقطع الحشيش لتأكل».
كان طاهر يتحلى بمزاج حسن و يساعد الآخرين حتى في أصعب ظروف المحن و يتقاسم معهم العمل بالتساوي على الرغم من أنه كبير السن، يبدو و كأنه أب لرفاقه فكان دليلنا في سيرنا في أماكن نمو القصب الواسعة على امتداد الحدود الإيرانية، لأننا كنا نسلك طرقا لا يعرفها إلّا أناس قلائل.
وعدنا بأن يصحبنا في مرة أخرى، و لكن، لما سألت عنه في السنة التالية قال لي أحد الرجال و هو في غاية الاستغراب «ما سمعت طاهر