رحلة إلي عرب أهوار العراق - ويلفرد فيسجر - الصفحة ٢٣١ - ١٦- وفاة الشيخ فالح
دشداشة داير الداكنة. حدث كل هذا الشيء في مدة تقل عن (٢٤) ساعة، و كان قبلها يرحب بمقدمي عندما أتيت إلى داره.
إلى الآن كنت فاقد الحس و الوعي و لم أستوعب ما حدث. أخذت أحدّث نفسي قائلا بأنها حادثة أصيب فيها فالح بجرح بليغ. أما الآن فإنني مقتنع بأنه سيموت. فإذا بكيت عليه مثلما يبكون فسيعلم الذين هم من حولي إنه سيموت. لذلك، ضبطت نفسي و منعتها من البكاء، و وجدت، نفسي أنا الذي كنت أشاركهم في السراء و الضراء، عاجزا عن التعبير عما يجيش به صدري من الألم في مثل هذا الموقف الحزين.
أخيرا، و في ساعة متأخرة من بعد الظهر، وصلنا إلى قرية فالح.
جاءوا بهيكل سرير و رفعناه لنضعه عليه ثم نقلناه إلى داخل البيت وسط الحشد المتجمع اللاواعي.
دخل أكثر ما يمكن من الناس داخل الغرفة و بقوا صامتين. أما في خارج البيت فقد ارتفع العويل و بدأت النسوة يضربن على صدورهن العارية بأيديهن فتسمع صوتا كأنه صوت الطبول.
فتح فالح عينيه و حدّق في سقف الغرفة، نظرت إلى وجهه الذي استبشرت فيه علامات الحياة فرأيته باهتا و شاحبا جدا من كثرة النزيف و كأن وجهه قناع من الشمع لا حسّ فيه و لا حراك. و رجاني الناس بأن أعطيه الدواء و أبوا أن يصدقوا بأنه ليس بوسعي أن أفعل أي شيء. تنحيت بعبد الواحد جانبا و قلت له بأن الأمل الوحيد هو أن نأخذ فالح إلى المكان الذي يمكن فيه من إجراء عملية نقل الدم. و أن كل لحظة تمضي تقلل من فرص نجاته. وافقني على رأيي و لكنه لم يفعل أي شيء. و وقف أناس آخرون حول الفراش و هم يقولون بصوت مسموع «راح يموت». «نعم. هو ميت تقريبا». «و اللّه، فالح ما يستحق الموت بهل شكل».
طلب فالح الماء همسا، و لكن حينما جاؤوه به لم يتمكن من بلعه فسال حول ذقنه و تبللت دشداشته.