رحلة إلي عرب أهوار العراق - ويلفرد فيسجر - الصفحة ٢٤٠ - ١٧- مراسيم العزاء
كنت أقصّ عليهم الخبر، جيء بالعشاء فأكلنا بصمت كما هي العادة ثم أخذنا نتكلم بعد ذلك إلى أن جاء الخدم و معهم الفرش و بدأوا يرتبونها حول جوانب الغرفة.
و لما أصبح الصباح، كان المضيف في هرج و مرج، فبدأ النائمون ينهضون تباعا و يغسلون أيديهم و وجوههم و بعضهم يتوضأ حتى يؤدي صلاة الفجر. جلسنا على طول الجدران ولف الخدم الفرش ثم رفعوها. هيأوا القهوة و بدأنا نشربها ثم جاء صبي يحمل طبقا كبيرا مملوءا بأقراص أرغفة من الخبز و ألقى واحدا أمام كل شخص منا. فبدأنا نأكل الخبز و نشرب قدحين أو ثلاثة أقداح من الحليب المغلي.
و جاء الشيخ مجيد فنهضنا إجلالا و احتراما لمقامه و كان يصحبه إبنه الأصغر خلف و ابن فالح عبد الواحد و آخرون من أسرته.
حيّانا ثم جلس في المكان نفسه الذي كان فيه قبل يوم و جلسنا نحن أيضا في أماكننا حول الجدران.
بدأ الناس يدخلون المضيف بالتدريج حتى أكتظ بهم. و راقبت الشيخ مجيدا فرأيته متعبا جدا، محطم القلب، مملوءا بالأسى و الحزن. لحيته رمادية اللون غير محلوقة و كرشه الكبير يتدلى أمامه و هو رجل عجوز. أخذ يتكلم بعنف و غضب و يقول: «ليش يكون الموت لفالح؟ ليش فالح؟ يا رب، هسه ما بقي عندي أحد». و تذكرت أن ولده الأخير خريبط كان قد قتل قبل ثلاث سنوات.
و حاول من كان بجانبه تهدئته فقال له: «عندك خلف و عبد الواحد».
لكنه صاح «لا. لا. ما عندي أحد. هسه ما عندي ولد. أرضي إيش راح يصير بها لما أموت؟ ايش راح يصير لأرضي هسه بعد ما مات فالح؟».