رحلة إلي عرب أهوار العراق - ويلفرد فيسجر - الصفحة ١٥٩ - ١١- الفوز بكسب الصداقة
المكان ممتاز. و عندما زرت المعاون الشاب في خيمته، وجدته جالسا و بجانبه جهاز راديو و أمامه منفضة سيكاير مملوءة بأعقاب السكاير، قلت له بغاية الحماس «أنت سعيد جدا أيها الشاب لأنك تعيش هنا في هذا المكان الجميل». و بدلا من أن يسرّه كلامي هذا رأيته ينفجر في الكلام و يقول:
«سعيد! و اللّه، لولا جهاز الراديو لأصبحت من عداد المجانين. ماذا يفعل رجل متمدن في هذا المكان الموحش؟، فالشخص الذي كان هنا قبلي لم يبق سوى أسبوع واحد. دفع لهم المال فنقلوه. أما أنا فإنني فقير الحال، لا أستطيع أن أقدم أي شيء لأدفع المال، لذلك تجدني أجلس و أصغي إلى إذاعة بغداد».
يسكن منطقة الكبيش و القرى المجاورة لها على امتداد نهر الفرات عشيرة بني أسد و هي عشيرة عربية إنسحبت إلى الأهوار قبل ثلاثة قرون و ذلك من جراء المعارك التي دارت فيما بينها عبر التأريخ من الغلبة و الاندحار. و في أوج أيامها إمتصت هذه العشيرة كثيرا من الناس الضعفاء و أكثرهم ليسوا عربا في الأصل، كانوا يلتمسون الحماية منهم و بهذا العمل ازدادت قوة.
و من الأهوار خاضت حروبا متقطعة و ناجحة مع الأتراك. و هي لا تزال مصدر القلاقل بعد الحرب العالمية الأولى إلى أن دحرهما الإنكليز و أزاح شيوخهما في سنة ١٩٢٤ و إنحلّ الكيان العشائري منذ ذلك الوقت.
الزراعة في الكبيش أمر لا يمكن التنبؤ به دوما، و في السنوات الأخيرة، أخذت العشيرة التي يبلغ تعدادها الآن مقار (٠٠٠، ١٠) نسمة، تعتمد على حياكة الحصران اعتمادا متزايدا. و هي مع مضي ثلاثة قرون من حياتها في الأهوار تعتبر نفسها متميزة عن المعدان. فهي تعتني بتربية الأبقار لكنها تحتقر العناية بتربية الجواميس.
و بإمكان المرء أن يتجول حول الكبيش لذلك سررت حينما غادرتها