رحلة إلي عرب أهوار العراق - ويلفرد فيسجر - الصفحة ٢٨٤ - ٢٠- عائلة عماره
القصب أو في حقول الشلب إن بقى في قرية الرفيعية من بعد تركه المدرسة.
و كنت أتمنى بأن لا ينجرف فيما بعد و يصبح شخصا متسكعا في إحدى المدن. و كان الشباب يتوسلون إليّ دوما قائلين: «خذني معك إلى البصرة. صاحب. شوف لي شغل زين. ما أريد أبقى بهل المكان لأننا نعيش مثل الحيوانات- هل مكان زين إلى ابوي و أمي و أخوتي. أنا متعلم». إذا بقي أمثال هؤلاء في قراهم فإنهم سيبقون ساخطين و ناقمين و يقاسون المرّ، لأنهم يحملون في مخيلتهم فكرة بأنهم لو استطاعوا الخروج من قراهم هذه فإنهم بتعلمهم البسيط هذا سوف يحصلون على كل ما تصبو إليه نفوسهم. و هذا اعتقاد خاطىء يدعو إلى الإشفاق. لأنهم لا يدركون بأن هناك مئات من آلاف الشبان الآخرين في العراق بالمؤهلات نفسها. و في الحقيقة، إذا ما تركوا بيوتهم و ذهبوا إلى المدن فإن حياتهم تنتهي على أكثر احتمال بقيامهم ببيع الجرائد أو بيع مشروب الكوكا كولا في بغداد أو البصرة إضافة إلى قيامهم بارتكاب جرائم السرقة من السيارات أو اشتغالهم كجباة لدى سائقي السيارات حتى يؤمنوا لهم دوام العيش.
وجدت جميع الآباء متلهفين لإرسال أطفالهم إلى المدرسة، غير أنني أتذكر رجلا عجوزا يسكن في قرية تقع على نهر العدل قال لي: «إبني صار عنده شغل زين ويّه الحكومة في البصرة. نحن فقراء مثل ما تشوف، صرفت عليه فلوس كثيرة عندما كان يدرس في العمارة مدة عشر سنوات في المدرسة. و بعدين، كنت أظن راح يساعدنا و يدير باله علينا. هسه لا يساعدنا و لا يقترب منّا. كنا سعداء لما كان طفل يعيش معنا لأنه كان إبننا الوحيد. هذا التعليم هو شيء موزين. صاحب. تسرق أولادنا».
و رأيت في مكان آخر إمرأة عجوزا بالقرب من قرية قباب. كان زوجها قد طلقها. وجدت لها، على أية حال، عمل تكتسب منه مالا في مدينة العمارة. تعمل كحارس ليلي. لم تكن تشك بعدم مساعدة ابنها لها.