موسوعة الإمام الجواد(ع) - الشيخ أبو القاسم الخزعلي - الصفحة ٢٠٦ - الثاني- خطبته البليغة
فقالا: يا رسول اللّه! إنّنا خلّفنا جريحا و مارية في مشربة، و هو يفاكهها [١] و يلاعبها، و يروم منها ما تروم الرجال من النساء، فابعث إلى جريح فإنّك تجده على هذه الحال، فأنفذ فيه حكمك و حكم اللّه تعالى.
فقال النبيّ ٦: يا أبا الحسن! خذ معك سيفك ذا الفقار، حتّى تمضي إلى مشربة مارية، فإن صادفتها و جريحا كما يصفان، فأخمدهما ضربا.
فقام علي ٧ و اتّشح بسيفه، و أخذه تحت ثوبه، فلمّا ولّى و مرّ من بين يدي رسول اللّه أتى إليه راجعا، فقال له: يا رسول اللّه! أكون فيما أمرتني كالسكّة المحماة في النار، أو الشاهد يرى ما لا يرى الغائب؟
فقال النبيّ ٦: فديتك يا علي! بل الشاهد يرى ما لا يرى الغائب.
قال: فأقبل علي و سيفه في يده حتّى تسوّر [٢] من فوق مشربة مارية، و هي جالسة و جريح معها، يؤدّبها بآداب الملوك، و يقول لها: أعظمي رسول اللّه، و كنّيه، و أكرميه، و نحوا من هذا الكلام حتّى نظر جريح إلى أمير المؤمنين و سيفه مشهر بيده، ففزع منه جريح و أتى إلى نخلة في دار المشربة، فصعد إلى رأسها، فنزل أمير المؤمنين إلى المشربة، و كشف الريح عن أثواب جريح، فانكشف ممسوحا، فقال: أنزل يا جريح!
فقال: يا أمير المؤمنين! آمن على نفسي؟
قال: آمن على نفسك.
قال: فنزل جريح، و أخذ بيده أمير المؤمنين، و جاء به إلى رسول اللّه ٦؛ فأوقفه بين يديه، و قال له: يا رسول اللّه! إنّ جريحا خادم ممسوح.
[١] فاكهه: مازحه، تفاكه القوم: تمازحوا- أقرب الموارد: ج ٢، ص ٩٤٠، (فكه).
[٢] تسوّرته: أي علوته، لسان العرب: ج ٤، ص ٣٨٦ (سوّر).