نفح الطّيب - الشيخ أحمد بن محمد المقري التلمساني - الصفحة ٩٢ - المؤلف يصف موقف الوداع
| وحيّا الحيا من ساكني الحيّ أوجها | سفرن بأنوار زواه زواهر | |
| بحيث زمان الوصل غضّ وروضه | أريض بأزهار بواه بواهر | |
| وحيث جفون الحاسدين غضيضة | رمقن بآماق سواه سواهر |
ثم حاولت خاطري الكليل ، فيما يشفي بعض الغليل ، فقال على طريق التضمين ، وقد غلب عليه الشوق والتخمين : [الرمل]
| بأبي من أودعوا مذ ودّعوا | قلبي الشّوق وللعيس ذميل | |
| جيرة غرّ كرام خيرة | كلّ شيء منهم يبدو جميل | |
| وعلى الجملة ما لي غيرهم | لو أرادوا أن يملّوا أو يميلوا |
ثم قلت وقد سدّد التنائي إليّ نبله ، موطّئا للبيت الثالث كما في الأبيات قبله : [الخفيف]
| يا دمشقا حيّاك غيث غزير | ووقاك الإله ممّا يضير | |
| حسنك الفرد والبدائع جمع | متناه فيه فعزّ النظير | |
| أين أيامنا بظلّك والشّم | ل جميع ، والعيش غضّ نضير |
ثم أكثرت الالتفات عن اليمين وعن الشمال ، وقد شبّهت البيداء والشوق ببدل الكل والاشتمال ، وتنسّمت من نواحي تلك الأرجاء أريج الشّمال [١] ، وضمّنت في المعنى قول بعض من ثنى الحبّ عطفه وأمال : [الطويل]
| تنسّمت أرواحا سرت من ديار من | بهم كان جمع الشّمل لمحة حالم | |
| وجاوبت من يلحى على ذاك جاهلا | بقول لبيب بالعواقب عالم | |
| وما أنشق الأرواح إلّا لأنّها | تمرّ على تلك الرّبا والمعالم |
وما أحسن قول الآخر : [الطويل]
| سرت من نواحي الشام لي نسمة الصّبا | وقد أصبحت حسرى من السّير ظالعه [٢] | |
| ومن عرق مبلولة الجيب بالنّدى | ومن تعب أنفاسها متتابعه |
وقلت أنا : [الطويل]
| حمدت وحقّ الله للشام رحلة | أتاحت لعينيّ اجتلاء محيّاه [٣] |
[١] أريج الشمال : العطر المنبعث من الريح الهابّة من الشمال.
[٢] حسرى : متعبة ، وظالعة : من الظلع وهو شبه العرج.
[٣] أتاحت : هيّأت. ومحيّاه : طلعته.