نفح الطّيب - الشيخ أحمد بن محمد المقري التلمساني - الصفحة ٧١ - وصف دمشق وذكر محاسنها
| هب الرّوض لا يثني على الغيث نشره | أتحسبه تخفى مآثره الحسنى |
وقد تذكرت بلادي النائية ، بذلك المرأى الشامي الذي يبهر رائيه ، فلما شئت من أنهار ذات انسجام ، أترع فيها من جريال الأنس جام ، وأزهار متوّجة للأدواح ، مروّحة للنفوس بعاطر الأرواح ، وحدائق تعشي أنوارها الأحداق ، وعيانها للخبر عنها مصداق وأي مصداق : [الكامل]
| فهي التي ضحك النهار [١] صباحها | وبكت عشيّتها عيون النرجس | |
| واخضرّ جانب نهرها فكأنّه | سيف يسلّ وغمده من سندس |
وجنان ، أفنانها في الحسن ذوات افتنان : [الخفيف]
| صافحتها الرياح فاعتنق السّر | وومالت طواله للقصار | |
| لائذ بعضه ببعض كقوم | في عتاب مكرّر واعتذار |
وبطاح راق سناها ، وكمل حسنها وتناهى ، كما قلت مضمّنا في ذلك المنحى ، لقول بعض من نال في البلاغة منى [٢] ومنحا : [الوافر]
| دمشق لا يقاس بها سواها | ويمتنع القياس مع النّصوص | |
| حلاها راقت الأبصار حسنا | على حكم العموم أو الخصوص | |
| بساط زمرّد نثرت عليه | من الياقوت ألوان الفصوص |
ولله درّ القائل ، في وصف تلك الفضائل : [الخفيف]
| إن تكن جنّة الخلود بأرض | فدمشق ، ولا يكون سواها | |
| أو تكن في السماء فهي عليها | قد أمدّت هواءها وهواها | |
| بلد طيّب وربّ غفور | فاغتنمها عشيّة أو ضحاها |
وعند رؤيتي لتلك الأقطار ، الجليلة الأوصاف العظيمة الأخطار [٣] ، تفاءلت بالعود إلى أوطان لي بها أوطار ، إذ التشابه بينهما قريب في الأنهار والأزهار ، ذات العرف المعطار ، وزادت هذه بالتقديس الذي همعت عليها منه الأمطار ، وتمثّلت بقول الأصفهاني ، وإن غيّرت يسيرا منه لما أسفرت وجوه التهاني : [مجزوء الكامل]
[١] في ب : البهار بدل النهار.
[٢] في ب : منّا.
[٣] الأخطار : جمع خطر ، وهو ارتفاع القدر.