نفح الطّيب - الشيخ أحمد بن محمد المقري التلمساني - الصفحة ١٥٥ - وصف شريش وشلب وكورة اشكونية
كمّل لمن أمّلك النعمة بتركه في موطنه ، غير مكدّر لخاطره بالتحرّك من معدنه ، متلفّتا إلى قول القائل [١] : [البسيط]
| وسوّلت لي نفسي أن أفارقها | والماء في المزن أصفى منه في الغدر |
فإن أغناه اهتمام مؤمّله عن ارتياد المراد ، وبلّغه دون أن يشدّ قتبا ولا أن ينضي عيسا غاية المراد ، أنشد ناجح المرغوب ، بالغ المطلوب : [الطويل]
| وليس الذي يتّبّع الوبل رائدا | كمن جاءه في داره رائد الوبل |
وربّ قائل إذا سمع هذا التبسّط على الأماني : ما له تشطّط ، وعدل عن سبيل التأدّب وتبسّط؟ ولا جواب عندي إلّا قول القائل : [البسيط]
| فهذه خطّة ما زلت أرقبها | فاليوم أبسط آمالي وأحتكم |
وما لي لا أنشد ما قاله المتنبي في سيف الدولة : [المتقارب]
| ومن كنت بحرا له يا عليّ | لم يقبل الدّرّ إلّا كبارا |
انتهى المقصود منه.
وقال الحجاري : إن مدينة شريش بنت إشبيلية ، وواديها ابن واديها ، ما أشبه سعدى بسعيد ، وهي مدينة جليلة ضخمة الأسواق ، لأهلها همم ، وظرف في اللباس ، وإظهار الرفاهية ، وتخلّق بالآداب ، ولا تكاد ترى بها إلّا عاشقا أو [٢] معشوقا ، ولها من الفواكه ما يعمّ ويفضل ، وممّا اختصّت به إحسان الصنعة في المجبنات ، وطيب جبنها يعين على ذلك ، ويقول أهل الأندلس : من دخل شريش ولم يأكل بها المجبنات فهو محروم ، انتهى.
والمجبنات : نوع من القطائف يضاف إليها الجبن في عجينها ، وتقلى بالزيت الطيب.
وفي شلب يقول الفاضل الكاتب أبو عمرو بن مالك بن سبدمير [٣] : [الخفيف]
| أشجاك النسيم حين يهبّ | أم سنى البرق إذ يخبّ ويخبو | |
| أم هتوف على الأراكة تشدو | أم هتون من الغمامة سكب | |
| كلّ هذاك للصّبابة داع | أيّ صبّ دموعه لا تصبّ |
[١] هذا البيت للأعمى التطيلي قاله حين أزمع مفارقة إشبيلية (انظر ديوانه ص ٤٩).
[٢] في ب : عاشقا ومعشوقا.
[٣] في ب : سيدمير.