نفح الطّيب - الشيخ أحمد بن محمد المقري التلمساني - الصفحة ٢٦٣ - هشام بن عبد الرحمن الداخل
بأنتن من ريح الجيف ، فكان جوابها له مسرعة : بل ذلك كان والله يا سيدي منك ، خرج ولم تشعر به من فرط فزعك ، فاستظرف جوابها ، وأغضى عن مواجهتها بمثل ذلك ، وهذا من آفات المزاح.
ومن محاسنه أنه أدار السور بقرطبة ، رحمه الله [١]!.
وتولّى الملك بعده ابنه هشام بعهد منه إليه ، وأمّه أمّ ولد اسمها حلل ، وأفضى إليه الملك وهو بماردة وال عليها ، وكان أبوه يوليه في صباه ويرشّحه للأمر ، وكان الداخل كثيرا ما يسأل عن ابنيه سليمان وهشام ، فيذكر له أن هشاما إذا حضر مجلسا امتلأ أدبا وتاريخا وذكرا لأمور الحرب ومواقف الأبطال ، وما أشبه ذلك ، وإذا حضر سليمان مجلسا امتلأ سخفا وهذيانا ، فيكبر هشام في عينه بمقدار ما يصغر سليمان ، وقال يوما لهشام : لمن هذا الشعر [٢] : [الطويل]
| وتعرف فيه من أبيه شمائلا | ومن خاله أو من يزيد ومن حجر [٣] | |
| سماحة ذا ، مع برّ ذا ، ووفاء ذا ، | ونائل ذا ، إذا صحا وإذا سكر |
[٤] فقال له : يا سيدي ، لامرىء القيس ملك كندة ، وكأنه قاله في الأمير أعزّه الله! فضمّه إليه استحسانا بما سمع منه ، وأمر له بإحسان كثير ، وزاد في عينيه. ثم قال لسليمان على انفراد : لمن هذا الشعر؟ وأنشده البيتين ، فقال : لعلّهما لأحد أجلاف العرب ، أما لي شغل غير حفظ أقوال بعض الأعراب؟ فأطرق عبد الرحمن ، وعلم قدر ما بين الاثنين من المزية.
ولمّا ولي هشام أشخص المنجم المعروف بالضّبّي من وطنه الجزيرة الخضراء إلى قرطبة ، وكان في علم النجوم والمعرفة بالحركات العلوية بطليموس زمانه حذقا وإصابة ، فلمّا أتاه خلا به وقال له : يا ضبّي ، لست أشكّ أنه قد عناك من أمرنا إذ بلغك ما لم ندع تحديد [٥] النظر فيه ، فأنشدك الله إلّا ما نبّأتنا بما ظهر لك فيه ، فلجلج [٦] وقال : أعفني أيها الأمير ، فإني
[١] في ب : رحمه الله تعالى.
[٢] هذان البيتان لامرىء القيس بن حجر الكندي المتوفى سنة ٥٦٥ م على الأغلب ، وهو أحد شعراء الجاهلية الكبار ، ويزعم كثير من النقاد أنه أكبر شعراء الجاهليين ومعلقته مشهورة. له ديوان طبع أكثر من طبعة.
والبيتان من قصيدة طويلة يبدؤها الشاعر بقوله :
| لعمرك ما قلبي إلى أهله بحر | ولا مقصر يوما فيأتيني بقر |
[٣] وقد قال الشاعر قصيدته بسعد بن ضباب وهو ـ فيما زعموا ـ أخو امرئ القيس لأبيه (انظر ديوان امرئ القيس طبعة صادر ١٠١).
[٤] في ب : وبرّ ذا.
[٥] في ب : ما لم يدع تجديد.
[٦] لجلج : تردد في الكلام.