نفح الطّيب - الشيخ أحمد بن محمد المقري التلمساني - الصفحة ١٦٠ - أبو بكر المخزومي الهجاء والوزير أبو بكر بن سعيد
في الباب السابع من هذا القسم من ذلك وغيره ما يشفي ويكفي ،
ولكن سنح لي أن أذكر هنا حكاية أبي بكر المخزومي الهجّاء المشهور الذي قال فيه لسان الدين بن الخطيب في الإحاطة [١] : إنه كان أعمى شديد الشرّ ، معروفا بالهجاء ، مسلّطا على الأعراض ، سريع الجواب ، ذكيّ الذهن ، فطنا للمعاريض [٢] ، سابقا في ميدان الهجاء ، فإذا مدح ضعف شعره. والحكاية هي ما حكاه أبو الحسن بن سعيد في الطالع السعيد ، إذ قال حكاية عن أبيه فيما أظن : قدم المذكور ـ يعني المخزومي ـ على غرناطة أيام ولاية أبي بكر بن سعيد ، ونزل قريبا مني ، وكنت أسمع به بنار صاعقة يرسلها الله على من يشاء من عباده ، ثم رأيت أن أبدأه بالتأنيس والإحسان ، فاستدعيته بهذه الأبيات : [المجتثّ]
| يا ثانيا للمعرّي | في حسن نظم ونثر | |
| وفرط ظرف ونبل | وغوص فهم وفكر | |
| صل ثمّ واصل حفيّا | بكلّ برّ وشكر | |
| وليس إلّا حديث | كما زها عقد درّ | |
| وشادن يتغنّى | على رباب وزمر | |
| وما يسامح فيه ال | غفور من كأس خمر | |
| وبيننا عهد حلف | لياسر حلف كفر | |
| نعم فجدّده عهدا | بطيب شكر ويسر | |
| والكأس مثل رضاع | ومن كمثلك يدري |
ووجّه له الوزير أبو بكر بن سعيد عبدا صغيرا قاده ، فلما استقرّ به المجلس ، وأفعمته روائح النّدّ والعود والأزهار ، وهزّت عطفه الأوتار ، قال : [البسيط]
| دار السّعيديّ ذي أم دار رضوان | ما تشتهي النّفس فيها حاضر داني [٣] | |
| سقت أباريقها للنّدّ سحب ندى | تحدى برعد لأوتار وعيدان [٤] | |
| والبرق من كلّ دنّ ساكب مطرا | يحيى به ميت أفكار وأشجان [٥] |
[١] الإحاطة ١ : ٤٣٢ ـ ٤٣٥.
[٢] المعاريض : التورية.
[٣] دار رضوان : هي الجنة. والداني : القريب.
[٤] تحدى : تساق. والأوتار والعيدان : من آلات الموسيقى.
[٥] الدنّ : خابية الخمر. والأشجان : الأحزان.