نفح الطّيب - الشيخ أحمد بن محمد المقري التلمساني - الصفحة ٩٦ - شروع المؤلف في التصنيف ، ورسالة من الشاهين يحثه على ذلك
| فإن جمعت شملي الليالي بقربهم | تجمّع غيلان وميّ وصيدح | |
| على أنها الأيام جدّ مزاحها | وربّ مجدّ في الأذى وهو يمزح |
وكثيرا ما يلهج اللسان بقول من قال : [الطويل]
| وما تفضل الأوقات أخرى لذاتها | ولكنّ أوقات الحسان حسان |
ويردّد قول من شوقه متجدّد : [الطويل]
| سقى معهد الأحباب ناقع صيّب | من المزن عن مغناه ليس يريم [١] | |
| وإن لم أكن من ساكنيه فإنه | يحلّ به خلّ عليّ كريم |
وينشد من يلوم ، قول من في حشاه وله وفي قلبه كلوم : [الدّوبيت]
| قد أصبح آخر الهوى أوّله | فالعاذل في هواك ما لي وله | |
| بالله عليك خلّ ما أوّله | وارحم دنفا لدى حشاه وله |
وقد امتدّ بنا الكلام ، وربّما يجعله اللاحي [٢] ذريعة لزيادة الملام ، فلنرجع إلى ما كنّا بصدده ، من إجابة المولى الشاهيني ، أمدّه الله سبحانه بمدده ، فأقول ، مستمدّا من واهب العقول :
إني شرعت بعد الاستقرار بمصر في المطلوب ، وكتبت منه نبذة تستحسنها من المحبين الأسماع والقلوب ، وسلكت في ترتيبه أحسن أسلوب ، وعرضت في سوقه كلّ نفيس غريب من الغرب إلى الشرق مجلوب ، تستحسن الأبصار ما عليه احتوى ، وتعرف الأفكار أنه غير مجتوى [٣] ، ثم وقف بي مركب العزم عن التمام واستوى ، فأخّرته تأخير الغريم لدين الكريم ، وصدّتني أعراض ، عن تكميل ما يشتمل عليه من أغراض ، وأضربت برهة عمّا له من منحى ، لاختلاف أحوال الدهر نفعا ودفعا ومنعا ومنحا ، ومرقت عن هدف الإصابة نبال ، وطرقت في سدف [٤] ليالي الكتابة أمور لم تكن تخطر ببال. فجاءتني من المولى المذكور آنفا ، رسالة دلّت على أنه لم يكن عن انتجاز الوعد متجانفا ، فعدت لقضاء الوطر مستقبلا وللجملة مستأنفا ،
[١] الناقع : المفيد ، المجدي ، الصيّب : السحاب الممطر ، ويريم : يبرح.
[٢] اللاحي : اسم فاعل من لحا فلان فلانا إذا لامه وعذله.
[٣] غير مجتوى : غير مكروه.
[٤] السّدف : جمع سدفة : الظلمة ، وسدف الليل : ظلمته وسواده.