نفح الطّيب - الشيخ أحمد بن محمد المقري التلمساني - الصفحة ١٤٨ - خطاب يتضمن المناظرة بين بلاد الأندلس
فقالت بلنسية : فيم الجدال والقراع؟ وعلام الاستهام والاقتراع؟ وإلام التعريض والتصريح؟ وتحت الرّغوة اللبن الصريح ، أنا أحوزه من دونكم ، فأخمدوا ناري تحرككم وهدوئكم ، فلي المحاسن الشامخة الأعلام ، والجنّات التي تلقي إليها الآفاق يد الاستسلام ، وبرصافتي وجسري أعارض مدينة السلام ، فأجمعوا على الانقياد لي والسلام ، وإلّا فعضّوا بنانا ، واقرعوا أسنانا ، فأنا حيث لا تدركون وأنّى ، ومولانا لا يهلكنا بما فعل السفهاء منّا.
فعند ذلك ارتمت جمرة تدمير بالشّرار ، واشتدّت [١] أسهمها لنحور الشّرار ، وقالت : عش رجبا ، ترعجبا ، أبعد العصيان والعقوق ، تتهيّأن [٢] لرتب ذوي الحقوق؟ هذه سماء الفخر فمن ضمّنك [٣] أن تعرجي ، ليس بعشّك فادرجي ، لك الوصب والخبل ، (آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ) [يونس : ٩١]. أيتها الصانعة الفاعلة ، من أدراك أن تضربي وما أنت فاعلة [٤]؟ ما الذي يجديك الروض والزّهر؟ أم ما يفيدك الجدول والنهر؟ وهل يصلح العطّار ما أفسد الدّهر؟ هل أنت إلّا محطّ رحل النفاق ، ومنزل ما لسوق الخصب فيه من نفاق؟ ذراك لا يكتحل الطرف فيه بهجوع ، وقراك لا يسمن ولا يغني من جوع ، فإلام تبرز الإماء في منصّة العقائل؟ ولكن اذكري قول القائل : [الطويل]
| بلنسية بيني عن القلب سلوة | فإنّك روض لا أحنّ لزهرك | |
| وكيف يحبّ المرء دارا تقسّمت | على صارمي جوع وفتنة مشرك؟ |
بيد أني أسأل الله تعالى أن يوقد من توفيقك ما خمد ، ويسيل من تسديدك ما جمد ، ولا يطيل عليك في الجهالة الأمد ، وإيّاه سبحانه نسأل أن يردّ سيدنا ومولانا إلى أفضل عوائده ، ويجعل مصائب أعدائه من فوائده ، ويمكّن حسامه من رقاب المشغّبين ، ويبقيه وجيها في الدنيا والآخرة ومن المقرّبين ، ويصل له تأييدا وتأبيدا ، ويمهّد له الأيام حتى تكون الأحرار لعبيد عبيده عبيدا ، ويمدّ على الدنيا سعده ، ويهبه ملكا لا ينبغي لأحد من بعده : [البسيط]
| آمين آمين لا أرضى بواحدة | حتّى أضيف إليها ألف آمينا |
ثم السلام الذي يتأنّق عبقا ونشرا ، ويتألّق رونقا وبشرا ، على حضرتهم العليّة ، ومطالع أنوارهم السنيّة [٥] الجليّة ، ورحمة الله تعالى وبركاته ، انتهى.
ولما ألمّ الرحّالة ابن بطوطة في رحلته بدخوله بلاد الأندلس ـ أعادها الله تعالى للإسلام! ـ قال : فوصلت إلى بلاد [٦] الأندلس ـ حرسها الله تعالى! ـ حيث الأجر موفور
[١] في ب : واستدّت.
[٢] في ب : تتهيئين.
[٣] في ب : ضمّك.
[٤] الفاعلة الأولى : الفاجرة. والثانية : التي أحدثت الفعل.
[٥] السنية : سقطت في ب.
[٦] في ب : لبلاد الأندلس.