نفح الطّيب - الشيخ أحمد بن محمد المقري التلمساني - الصفحة ٩٥ - شوق المؤلف إلى دمشق
| وجيرة كان لي إلف بوصلهم | والأنس أفضل ما بالوصل يغتنم | |
| بالشام خلّفتهم ثم انصرفت إلى | سواهم فاعتراني بعدهم ألم | |
| كانوا نعيم فؤادي والحياة له | والآن كلّ وجود بعدهم عدم |
فإن أنشد لسان الحال فيما اقتضاه معنى البعد عنها والارتحال : [الكامل]
| يا غائبا قد كنت أحسب قلبه | بسوى دمشق وأهلها لا يعلق | |
| إن كان صدّك نيل مصر عنهم | لا غرو فهو لنا العدوّ الأزرق |
أتيت في جوابه ، بقول بعض من برّح الجوى به : [البسيط]
| لله دهر جمعنا شمل لذته | بالشام أعذب من أمن على فرق [١] | |
| مرّت لياليه والأيام في خلس | كأنّما سلبته كفّ مسترق [٢] | |
| ما كان أحسنها لو لا تنقّلها | من النعيم إلى ذاك من الحرق | |
| رقّ العذول لحالي بعدها ورثى | لي في الجوى والنّوى والشجو والأرق |
وبالجملة فتلك الأيام من مواسم العمر محسوبة ، والسعود إلى طوالعها منسوبة : [الوافر]
| وكانت في دمشق لنا ليال | سرقناهنّ من ريب الزمان | |
| جعلناهنّ تاريخ الليالي | وعنوان المسرّة والأماني |
وهي مغاني [٣] التهاني التي ما نسيناها ، وأماني زماني التي نعمت بطور سيناها ، عليها وعلى وطني مقصورة ، والقلب في المعنى مقيم بهما وإن كان في غيرهما بالصورة ، والأشواق إليهما قضاياها موجّهة وإن كانت غير محصورة : [الطويل]
| ولله عهد قد تقضّى وإن [٤] يعد | فإني عن الأيام أعفو وأصفح | |
| بقلبي من ذكراه ما ليس ينقضي | ومن برحاء الشوق ما ليس يبرح [٥] | |
| إذا مسحت كفّي الدموع تستّرا | بدت زفرة بين الجوانح تقدح |
[١] الفرق : الخوف.
[٢] خلس : جمع خلسة ـ بضم الخاء فيهما ـ وهي الفرصة ، ويقولون : هذه خلسة فانتهزها.
[٣] المغاني : جمع مغنى ، وهو المنزل.
[٤] في ب : فإن.
[٥] برحاء الشوق : شدته.