نفح الطّيب - الشيخ أحمد بن محمد المقري التلمساني - الصفحة ٤٩ - حج المؤلف وزيارته المدينة ووصفه المشاهد المباركة
| احمرّ للنّيل خدّ | حتى غدا كالشقيق | |
| وقد ترنّمت فيه | إذ صار وادي العقيق |
ثم شمّرت عن ساعد العزم بعد الإقامة بمصر مدّة قليلة ، إلى المهمّ الأعظم والمقصد الأكبر الذي هو سرّ المطالب الجليلة ، وهو رؤية الحرمين الشريفين ، والعلمين المنيفين ، زادهما الله تنويها ، وبلّغ النفوس ببركة من شرفا به مآرب لم تزل تنويها ، فسافرت في البحر إلى الحجاز ، راجيا من الله سبحانه في الأجر الانتجاز ، إلى أن بلغت جدة ، بعد مكابدة خطوب اتّخذت لها من الصبر عدّة ، فحين حصل القرب ، واكتحلت العين بإثمد تلك التّرب ، ت رنّمت بقول من قال ، محرّضا على الوخد والإرقال [١] : [البسيط]
| بدا لك الحقّ فاقطع ظهر بيداء | واهجر مقالة أحباب وأعداء | |
| واقصد على عزمة أرض الحجاز تجد | بعدا عن السّخط في نزل الأودّاء | |
| وقل إذا نلت من أمّ القرى أربا | وهو الوصول بإسرار وإبداء | |
| يا مكة الله ، قد مكّنت لي حرما | مؤمّنا لست أشكو فيه من داء | |
| فمذ رأى النازح المسكين مسكنه | في قطرك الرّحب لم ينكب بأرزاء | |
| شوق الفؤاد إلى مغناك متّصل | شوق الرياض إلى طلّ وأنداء |
ثم أنشدت ، عندما بدت أعلام البيت الحرام ، قول بعض من غلب عليه الشوق والغرام ، وقد بلغ من أمانيه الموجبة بشائره وتهانيه المرام : [البسيط]
| وافى الحجيج إلى البيت العتيق وقد | سجا الدّجى فرأوا نورا به بزغا [٢] | |
| عجّوا عجيجا وقالوا : الله أكبر ما | للجوّ مؤتلقا بالنور قد صبغا [٣] | |
| قال الدليل : ألا هاتوا بشارتكم | فمن نوى كعبة الرحمن قد بلغا | |
| نادوا على العيس بالأشواق وانتحبوا | وحنّ كلّ فؤاد نحوها وصغا [٤] | |
| وكلّ من ذمّ فعلا نال محمدة | في مكة ومحا ما قد جنى وبغى |
ولما وقع بصري على البيت الشريف كدت أغيب عن الوجود ، واستشعرت قول العارف
[١] الوخد والإرقال : ضربان من السير السريع.
[٢] سجا الدجى : سكن الليل وغطت الظلمة المكان.
[٣] عج العجيج : رفعوا أصواتهم بالدعاء إلى الله.
[٤] صغا : مال.