نفح الطّيب - الشيخ أحمد بن محمد المقري التلمساني - الصفحة ٣٣١ - ثورة سليمان المستعين على المهدي
وبنيه [١] على الدولة إليهم ، فسخطتهم القلوب ، وخزرتهم العيون ، ولو لا ما لهم من العصبية لاستأصلهم الناس ، ولغطت ألسنة الدهماء من أهل المدينة بكراهتهم. وأمر المهدي أن لا يركبوا ولا يتسلّحوا ، وردّ بعض رؤسائهم في بعض الأيام من باب القصر ، فانتهبت العامّة دورهم ، وشكا بعضهم إلى المهدي ما أصابهم ، فاعتذر إليهم وقتل من اتّهم من العامّة في أمرهم ، وهو مع ذلك مظهر لبغضهم ، مجاهر بسوء الثناء عليهم. وبلغهم أنّه يريد الفتك بهم ، فتمشّت رجالاتهم ، وأسرّوا نجواهم ، واشتوروا في تقديم هشام بن سليمان ابن أمير المؤمنين الناصر ، وفشا في الخاصّة حديثهم ، فعوجلوا عن مرامهم ذلك ، وأغرى بهم السواد الأعظم ، فثاروا بهم ، وأزعجوهم عن المدينة. وتقبض على هشام وأخيه أبي بكر ، وأحضرا بين يدي المهدي ، فضرب أعناقهما. ولحق سليمان ابن أخيهما الحكم بجنود البربر ، وقد اجتمعوا بظاهر قرطبة وتوامروا ، فبايعوه ولقّبوه المستعين بالله ، ونهضوا به إلى ثغر طليطلة ، فاستجاش بابن أذفونش [٢] ، ثم نهض في جموع البرابرة والنصرانية إلى قرطبة ، وبرز إليه المهدي في كافّة أهل البلد وخاصّة الدولة ، فكانت الدائرة عليهم ، واستلحم منهم ما يزيد على عشرين ألفا ، وهلك من خيار الناس وأئمّة المساجد وسدنتها ومؤذّنيها عالم. ودخل المستعين قرطبة ختام المائة الرابعة. ولحق المهديّ بطليطلة. واستجاش بابن أذفونش ثانية ، فنهض معه إلى قرطبة ، وهزم المستعين والبرابرة بعقبة البقر من ظاهر قرطبة ، ودخل قرطبة ـ أعني المهدي ـ وملكها. وخرج المستعين مع البربر ، وتفرّقوا في البسائط ينهبون ولا يبقون على أحد. ثم ارتحلوا إلى الجزيرة الخضراء ، فخرج المهديّ ومعه ابن أذفونش [٣] لاتّباعهم ، فكرّوا عليهم ، فانهزم المهدي وابن أذفونش ومن معه من المسلمين والنصارى ، واتّبعهم المستعين إلى قرطبة ، فأخرج المهدي هشاما المؤيّد للناس ، وبايع له ، وقام بأمر حجابته ، ظنّا منه أنّ ذلك ينفعه ، وهيهات! وحاصرهم المستعين والبربر ، فخشي أهل قرطبة من اقتحامهم عليهم ، فأغروا أهل القصر وحاشية المؤيد بالمهديّ وأنّ الفتنة إنّما جاءت من قبله ، وتولّى كبر ذلك واضح العامري ، فقتلوا المهدي ، واجتمع الكافّة على المؤيّد ، وقام واضح بحجابته. واستمرّ الحصار ، ولم يغن عن أهل قرطبة ما فعلوه شيئا ، إلى أن هلكت القرى والبسائط بقرطبة ، وعدمت المرافق ، وجهدهم الحصار. وبعث المستعين إلى أهل ابن أذفونش يستقدمهم لمظاهرته [٤] ، فبعث إليهم هشام وحاجبه واضح يكفّونهم عن ذلك ، بأن ينزلوا لهم عن ثغور قشتالة التي كان المنصور
[١] في أ: المنصور وغيره.
[٢] خزره : نظر إليه بلحظ عينه.
[٣] استجاش بابن أذفونش : طلب منه جيشا.
[٤] يستقدمهم لمظاهرته : يطلب منهم القدوم لمساعدته.