نفح الطّيب - الشيخ أحمد بن محمد المقري التلمساني - الصفحة ١٤١ - مدينة المرية ، وما اشتهرت به
يعجز الواصفون عن وصفها ، وكانت على قوس واحد تكنفه فرجتان [١] من كل جانب ، وطول القنطرة ثلاثمائة باع ، وعرضها ثمانون باعا ، وخربت أيام الأمير محمد لما عصى عليه أهلها فغزاهم ، واحتال في هدمها ، وفي ذلك يقول الحكيم عباس بن فرناس [٢] : [الكامل]
| أضحت طليطلة معطّلة | من أهلها في قبضة الصّقر | |
| تركت بلا أهل تؤهّلها | مهجورة الأكناف كالقبر | |
| ما كان يبقي الله قنطرة | نصبت لحمل كتائب الكفر |
وسيأتي بعض أخبار طليطلة.
ومن مشهور مدن الأندلس المرية ، وهي على ساحل البحر ، ولها القلعة المنيعة المعروفة بقلعة خيران ، بناها عبد الرحمن الناصر ، وعظمت في دولة المنصور بن أبي عامر ، وولّى عليها مولاه خيران ، فنسبت القلعة إليه ، وبها من صنعة الديباج ما تفوق به على سائر البلاد ، وفيها دار الصناعة ، وتشتمل كورتها على معدن الحديد والرخام ، ومن أبوابها باب العقاب عليه صورة عقاب من حجر قديم عجيب المنظر.
وقال بعضهم : كان بالمريّة لنسج طرز الحرير ثمانمائة نول ، وللحلل النفيسة والديباج الفاخر ألف نول ، وللأسقلاطون كذلك ، وللثياب الجرجانية كذلك ، وللأصفهانية مثل ذلك ، وللعنابي والمعاجر المدهشة والستور المكلّلة. ويصنع بها من صنوف آلات الحديد والنحاس والزجاج ما لا يوصف. وفاكهة المرية يقصر عنها الوصف حسنا ، وساحلها أفضل السواحل ، وبها قصور الملوك القديمة الغريبة العجيبة ، وقد ألّف فيها أبو جعفر بن حاتمة تاريخا حافلا سمّاه ب «مزيّة المرية ، على غيرها من البلاد الأندلسية» في مجلد ضخم تركته من جملة كتبي بالمغرب ، والله سبحانه المسؤول في جمع الشمل ، فله الأمر من بعد ومن قبل.
ووادي المرية طوله أربعون ميلا في مثلها كلها بساتين بهجة ، وجنات نضرة ، وأنهار مطّردة ، وطيور مغرّدة.
قال بعضهم : ولم يكن في بلاد الأندلس أكثر مالا من أهل المرية ، ولا أعظم متاجر وذخائر ، وكان بها من الحمامات والفنادق نحو الألف ، وهي بين الجبلين بينهما خندق معمور،
[١] في ب : فرختان.
[٢] عباس بن فرناس التاكرني حكيم الأندلس ، بربري الأصل من موالي بني أمية توفي سنة (٢٧٤ ه) (المغرب ١ : ٣٣٣).