نفح الطّيب - الشيخ أحمد بن محمد المقري التلمساني - الصفحة ١٧٣ - ابن سعيد يقارن بين الأندلس وغيرها
ولما ذكر ابن اليسع الأندلس قال : لا يتزوّد فيها أحد ماء حيث سلك ؛ لكثرة أنهارها وعيونها ، وربما لقي المسافر فيها في اليوم الواحد أربع مدائن ، ومن المعاقل والقرى ما لا يحصى ، وهي بطاح خضر ، وقصور بيض. انتهى.
قال ابن سعيد : وأنا أقول كلاما فيه كفاية : منذ خرجت من جزيرة الأندلس وطفت في برّ العدوة ، ورأيت مدنها العظيمة كمراكش وفاس وسلا وسبتة ، ثم طفت في إفريقية وما جاورها من المغرب الأوسط فرأيت بجاية وتونس ، ثم دخلت الديار المصرية فرأيت الإسكندرية والقاهرة والفسطاط ، ثم دخلت الشام فرأيت دمشق وحلب وما بينهما ـ لم أر ما يشبه رونق الأندلس في مياهها وأشجارها إلّا مدينة فاس بالمغرب الأقصى ، ومدينة دمشق بالشام ، وفي حماة مسحة أندلسية ، ولم أر ما يشبهها في حسن المباني والتشييد والتصنيع ، إلّا ما شيّد بمراكش في دولة بني عبد المؤمن ، وبعض أماكن في تونس ، وإن كان الغالب على تونس البناء بالحجارة كالإسكندرية ، ولكن الإسكندرية أفسح شوارع وأبسط وأبدع ، ومباني حلب داخلة فيما يستحسن ؛ لأنها من حجارة صلبة ، وفي وضعها وترتيبها إتقان ، انتهى.
ومن أحسن ما جاء من النظم في الأندلس قول ابن سفر المريني ، والإحسان له عادة : [البسيط]
| في أرض أندلس تلتذّ نعماء | ولا يفارق فيها القلب سرّاء | |
| وليس في غيرها بالعيش منتفع | ولا تقوم بحقّ الأنس صهباء [١] | |
| وأين يعدل عن أرض تحضّ بها | على المدامة أمواه وأفياء [٢] | |
| وكيف لا يبهج الأبصار رؤيتها | وكلّ روض بها في الوشي صنعاء [٣] | |
| أنهارها فضّة ، والمسك تربتها | والخزّ روضتها ، والدّرّ حصباء | |
| وللهواء بها لطف يرقّ به | من لا يرقّ ، وتبدو منه أهواء | |
| ليس النسيم الذي يهفو بها سحرا | ولا انتثار لآلي الطّلّ أنداء | |
| وإنما أرج النّدّ استثار بها | في ماء ورد فطابت منه أرجاء | |
| وأين يبلغ منها ما أصنّفه | وكيف يحوي الذي حازته إحصاء |
[١] منتفع : مصدر ميمي من نفع ، والصهباء : الخمر.
[٢] تحضّ : تحرض. أمواه : مياه. أفياء جمع فيء وهو الظلّ.
[٣] الوشي : نقش الثياب من كل لون. وصنعاء : بلدة باليمن كانت مشهورة بصناعة الحرير.