نفح الطّيب - الشيخ أحمد بن محمد المقري التلمساني - الصفحة ٣١٧ - أخبار في سيرة المنصور
وفي المنصور المذكور أيضا قال بعض مؤرّخي المغرب ، مازجا كلامه ببعض كلام الفتح ، بعد ذكر استعانته ببعض الناس على بعض ، وذكر قتله لجعفر بن علي ، فقال بعده ما صورته : ثم انفرد بنفسه وصار ينادي صروف الدهر هل من مبارز ، فلمّا لم يجده حمل الدهر على حكمه ، فانقاد له وساعده ، فاستقام أمره منفردا بمملكة لا سلف له فيها [١] ، ومن أوضح الدلائل على سعده أنه لم ينكب قطّ في حرب شهدها ، وما توجّهت عليه هزيمة ، وما انصرف عن موطن إلّا قاهرا غالبا ، على كثرة ما زاول من الحروب ومارس من الأعداء وواجه من الأمم ، وإنها لخاصّة ما أحسب أحدا من الملوك الإسلامية شاركه فيها ، ومن أعظم ما أعين به مع قوة سعده وتمكّن جدّه [٢] سعة جوده ، وكثرة بذله ، فقد كان في ذلك أعجوبة الزمان ، وأول ما اتكأ على أرائك الملوك وارتفق [٣] ، وانتشر عليه لواء السعد وخفق ، حط صاحبه المصحفيّ ، وأثار له كامن حقده الخفيّ ، حتى أصاره للهموم لبيسا ، وفي غيابات السجن حبيسا ، فكتب إليه يستعطفه بقوله [٤] : [البسيط]
| هبني أسأت فأين العفو والكرم | إذ قادني نحوك الإذعان والنّدم | |
| يا خير من مدّت الأيدي إليه أما | ترثي لشيخ رماه عندك القلم | |
| بالغت في السّخط فاصفح صفح مقتدر | إن الملوك إذا ما استرحموا رحموا |
فما زاده ذلك إلّا حنقا وحقدا ، وما أفادته الأبيات إلّا تضرّما ووقدا ، فراجعه بما أيأسه ، وأراه مرمسه ، وأطبق عليه محبسه ، وضيّق تروّحه من المحنة وتنفّسه : [البسيط]
| الآن يا جاهلا زلّت بك القدم | تبغي التّكرّم لمّا فاتك الكرم | |
| أعريت بي ملكا لولا تثبّته | تبغي التّكرّم لمّا فاتك الكرم | |
| أغريت بي ملكا لو لا تثبّته | ما جاز لي عنده نطق ولا كلم | |
| فايأس من العيش إذ قد صرت في طبق | إنّ الملوك إذا ما استنقموا نقموا | |
| نفسي إذا سخطت ليست براضية | ولو تشفّع فيك العرب والعجم |
وكان من أخباره الداخلة في أبواب البرّ والقربة بنيان المسجد الجامع ، إلى أن قال :
[١] أراد أنه لم يرث الملك عن أهله.
[٢] جدّه : حظه.
[٣] ارتفق : اتكأ.
[٤] نسب جماعة هذه الأبيات إلى المصحفي ، ونسبها آخرون إلى ابن دراج القسطلي.